فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

وعندي فيه وجه ثالث وهو أنه ليس المراد من تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين وبأشخاص معينين ، بل معناه أنه هو القادر على خلق الحياة والموت ، كما قال في سورة الملك : * ( الذي خلق الموت والحياة ) * ( الملك : 2 ) والمقصود منه كونه سبحانه هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق ، لا يمنعه عنهما مانع ولا يرده عنهما راد ، وحينئذ يدخل فيه الوجهان اللذان ذكرهما المفسرون . المسألة الثانية : موضع * ( يحيي ويميت ) * رفع على معنى هو يحيي ويميت ، ويجوز أن يكون نصباً على معنى : له ملك السماوات والأرض حال كونه محيياً ومميتاً . واعلم أنه تعالى لما ذكر دلائل الآفاق أولاً : ودلائل الأنفس ثانياً : ذكر لفظاً يتناول الكل فقال : * ( وهو على كل شيء قدير ) * وفوائد هذه الآية مذكورة في أول سورة الملك . * ( هُوَ الاَْوَّلُ وَالاَْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير هذه الآية : " إنه الأول ليس قبله شيء والآخر ليس بعده شيء " وأعلم أن هذا المقام مقام مهيب غامض عميق والبحث فيه من وجوه : الأول : أن تقدم الشيء على الشيء يعقل على وجوه أحدها : التقدم بالتأثير فإنا نعقل أن لحركة الأصبع تقدماً على حركة الخاتم ، والمراد من هذا التقدم كون المتقدم مؤثراً في المتأخر وثانيها : التقدم بالحاجة لا بالتأثير ، لأنا نعقل احتياج الاثنين إلى الواحد وإن كنا نعلم أن الواحد ليس علة للاثنين وثالثها : التقدم بالشرف كتقدم أبي بكر على عمر ورابعها : التقدم بالرتبة ، وهو إما من مبدأ محسوس كتقدم الإمام على المأموم ، أو من مبدأ معقول ، وذلك كما إذا جعلنا المبدأ هو الجنس العالي ، فإنه كلما كان النوع أشد تسفلاً كان أشد تأخراً ، ولو قلبناه انقلب الأمر وخامسها : التقدم بالزمان ، وهو أن الموجود في الزمان المتقدم ، متقدم على الموجود في الزمان المتأخر ، فهذا ما حصله أرباب العقول من أقسام القبلية والتقدم وعندي أن ههنا قسماً سادساً ، وهو مثل تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ، فإن ذلك التقدم ليس تقدماً بالزمان ، وإلا وجب أن يكون الزمان محيطاً بزمان آخر ، ثم الكلام في ذلك المحيط كالكلام في المحاط به ، فيلزم أن يحيط بكل زمان زمان آخر لا نهاية بحيث تكون كلها حاضرة في هذا الآن ، فلا يكون هذا الآن الحاضر واحداً ، بل يكون كل حاضر في حاضر آخر لا إلى نهاية وذلك غير معقول ، وأيضاً فلأن مجموع تلك الآنات الحاضرة متأخر عن مجموع الآنات الماضية ، فلمجموع الأزمنة زمان آخر محيط بها لكن ذلك محال ، لأنه لما كان زماناً كان داخلاً في مجموع الأزمنة ، فإذاً ذلك لزمان داخل في ذلك المجموع وخارج عنه وهو محال ، فظهر بهذا البرهان الظاهر أن تقدم بعض أجزاء الزمان على البعض ليس بالزمان ، وظاهر أنه ليس بالعلة ولا بالحاجة ، وإلا لوجدا معاً ، كما أن العلة والمعلول