فخر الدين الرازي
203
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ * فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال ههنا : * ( من المكذبين الضالين ) * وقال من قبل : * ( ثم إنكم أيها الضالون المكذبون ) * وقد بينا فائدة التقديم والتأخير هناك . المسألة الثانية : ذكر الأزواج الثلاثة في أول السورة بعبارة وأعادهم بعبارة أخرى فقال : * ( فأصحاب الميمنة ) * ( الواقعة : 8 ) ثم قال : * ( وأصحاب اليمين ) * ( الواقعة : 27 ) وقال : * ( وأصحاب المشأمة ) * ( الواقعة : 9 ) ثم قال : * ( وأصحاب الشمال ) * ( الواقعة : 41 ) وأعادهم ههنا ، وفي المواضع الثلاثة ذكر أصحاب اليمين بلفظ واحد أو بلفظين مرتين ، أحدهما غير الآخر ، وذكر السابقين في أول السورة بلفظ السابقين ، وفي آخر السورة بلفظ المقربين ، وذكر أصحاب النار في الأول بلفظ * ( أصحاب المشأمة ) * ثم بلفظ * ( أصحاب الشمال ) * ثم بلفظ * ( المكذبين ) * فما الحكمة فيه ؟ نقول : أما السابق فله حالتان إحداهما في الأولى ، والأخرى في الآخرة ، فذكره في المرة الأولى بماله في الحالة الأولى ، وفي الثانية بماله في الحالة الآخرة ، وليس له حالة هي واسطة بين الوقوف للعرض وبين الحساب ، بل هو ينقل من الدنيا إلى أعلى عليين ، ثم ذكر أصحاب اليمين بلفظين متقاربين ، لأن حالهم قريبة من حال السابقين ، وذكر الكفار بألفاظ ثلاثة كأنهم في الدنيا ضحكوا عليهم بأنهم أصحاب موضع شؤم ، فوصفوهم بموضع الشؤم ، فإن المشأمة مفعلة وهي الموضع ، ثم قال : * ( أصحاب الشمال ) * فإنهم في الآخرة يؤتون كتابهم بشمالهم ، ويقفون في موضع هو شمال ، لأجل كونهم من أهل النار ، ثم إنه تعالى لما ذكر حالهم في أول الحشر بكونهم من أصحاب الشمال ذكر ما يكون لهم من السموم والحميم ، ثم لم يقتصر عليه ، ثم ذكر السبب فيه ، فقال : * ( إنهم كانوا قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون ) * ( الواقعة : 45 ، 46 ) فذكر سبب العقاب لما بينا مراراً أن العادل يذكر للعقاب سبباً ، والمتفضل لا يذكر للإنعام والتفضل سبباً ، فذكرهم في الآخرة ما عملوه في الدنيا ، فقال : * ( وأما إن كان من المكذبين ) * ليكون ترتيب العقاب على تكذيب الكتاب فظهر العدل ، وغير ذلك ظاهر . ثم قال تعالى : * ( إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : * ( هذا ) * إشارة إلى ماذا ؟ نقول : فيه وجوه أحدها : القرآن ثانيها : ما ذكره في السورة ثالثها : جزاء الأزواج الثلاثة . المسألة الثانية : كيف أضاف الحق إلى اليقين مع أنهما بمعنى واحد ؟ نقول : فيه وجوه