فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

والعزب والكبرى والحبلى ، وذلك لا يدل على ما ذهب إليه ، لأن الذكورة والأنوثة من الصفات التي لا يتبدل بعضها ببعض ، فلا يصاغ لها أفعال لأن الفعل لما يتوقع له تجدد في صورة الغالب ، ولهذا لم يوجد للإضافيات أفعال كالأبوة والبنوة والأخوة إذ لم تكن من الذي يتبدل ، ووجد للإضافيات المتبدلة أفعال يقال : وأخاه وتبناه لما لم يكن مثبتاً بتكلف فقبل التبدل . * ( مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) * . وقوله تعالى : * ( من نطفة ) * أي قطعة من الماء . وقوله تعالى : * ( إذا تمنى ) * من أمنى المني إذا نزل أو منى يمني إذا قدر وقوله تعالى : * ( من نطفة ) * تنبيه على كمال القدرة لأن النطفة جسم متناسب الأجزاء ، ويخلق الله تعالى منه أعضاء مختلفة وطباعاً متباينة وخلق الذكر والأنثى منها أعجب ما يكون على ما بينا ، ولهذا لم يقدر أحد على أن يدعيه كما لم يقدر أحد على أن يدعي خلق السماوات ، ولهذا قال تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) * كما قال : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * ( الزمر : 38 ) . ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الاُْخْرَى ) * . وهي في قول أكثر المفسرين إشارة إلى الحشر ، والذي ظهر لي بعد طول التفكر والسؤال من فضل الله تعالى الهداية فيه إلى الحق ، أنه يحتمل أن يكون المراد نفخ الروح الإنسانية فيه ، وذلك لأن النفس الشريفة لا الأمارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة ، وبها كرم الله بني آدم ، وإليه الإشارة في قوله : * ( فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر ) * ( المؤمنون : 14 ) غير خلق النطفة علقة ، والعلقة مضغة ، والمضغة عظاماً ، وبهذا الخلق الآخر تميز الإنسان عن أنواع الحيوانات ، وشارك الملك في الإدراكات فكما قال هنالك : * ( أنشأناه خلقاً آخر ) * ( المؤمنون : 14 ) بعد خلق النطفة قال ههنا : * ( وأن عليه النشأة الأخرى ) * فجعل نفخ الروح نشأة أخرى كما جعله هنالك إنشاء آخر ، والذي أوجب القول بهذا هو أن قوله تعالى : * ( وأن إلى ربك المنتهى ) * ( النجم : 42 ) عند الأكثرين لبيان الإعادة ، وقوله تعالى : * ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) * ( النجم : 41 ) كذلك فيكون ذكر النشأة الأخرى إعادة ، ولأنه تعالى قال بعد هذا : * ( وأنه هو أغنى وأقنى ) * ( النجم : 48 ) وهذا من أحوال الدنيا ، وعلى ما ذكرنا يكون الترتيب في غاية الحسن فإنه تعالى يقول : خلق الذكر والأنثى ونفخ فيهما الروح الإنسانية الشريفة ثم أغناه بلبن الأم وبنفقة الأب في صغره ، ثم أقناه بالكسب بعد كبره ، فإن قيل : فقد وردت النشأة الأخرى للحشر في قوله تعالى : * ( فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الأخرى ) * ( العنكبوت : 20 ) نقول الآخرة من الآخر لا من الآخر لأن الآخر أفعل ، وقد تقدم على أن هناك لما ذكر البدء حمل على الإعادة وههنا ذكر خلقه من نطفة ، كما في قوله : * ( ثم خلقنا النطفة علقة ) * ثم قال : * ( أنشأناه خلقاً آخر ) * ( المؤمنون : 14 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : * ( على ) * للوجوب ، ولا يجب على الله الإعادة ، فما معنى قوله تعالى : * ( وأن عليه ) *