فخر الدين الرازي

192

تفسير الرازي

طلب منه شيئاً أعطاه ، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه ، والحكيم يستمد به ويحتج به ، والأديب يستفيد منه ويتقوى به ، والله تعالى وصف القرآن بكونه كريماً ، وبكونه عزيزاً ، وبكونه حكيماً ، فلكونه كريماً كل من أقبل عليه نال منه ما يريده فإن كثيراً من الناس لا يفهم من العلوم شيئاً وإذا اشتغل بالقرآن سهل عليه حفظه ، وقلما يرى شخص يحفظ كتاباً يقرؤه بحيث لا يغير منه كلمة بكلمة ، ولا يبدل حرفا بحرف وجميع القراء يقرأون القرآن من غير توقف ولا تبديل ، ولكونه عزيزاً أن كل من يعرض عنه لا يبقى معه منه شيء ، بخلاف سائر الكتب ، فإن من قرأ كتاباً وحفظه ثم تركه يتعلق بقلبه معناه حتى ينقله صحيحاً ، والقرآن من تركه لا يبقى معه منه شيء لعزته ولا يثبت عند من لا يلزمه بالحفظ ، ولكونه حكيماً من اشتغل به وأقبل عليه بالقلب أغناه عن سائر العلوم . وقوله تعالى : * ( في كتاب ) * جعله شيئاً مظروفاً بكتاب فما ذلك ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : المظروف : القرآن ، أي هو قرآن في كتاب ، كما يقال : فلان رجل كريم في بيته ، لا يشك السامع أن مراد القائل : أنه في الدار قاعد ولا يريد به أنه كريم إذا كان في الدار ، وغير كريم إذا كان خارجاً ولا يشك أيضاً أنه لا يريد به أنه كريم في بيته ، بل المراد أنه رجل كريم وهو في البيت ، فكذلك ههنا أن القرآن كريم وهو في كتاب ، أو المظروف كريم على معنى أنه كريم في كتاب ، كما يقال : فلان رجل كريم في نفسه ، فيفهم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلاً مظروفاً فإن القائل : لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو نائم ، وإنما أراد به أنه كريم كرمه في نفسه ، فكذلك قرآن كريم فالقرآن كريم في اللوح المحفوظ وإن لم يكن كريماً عند الكفار ثانيهما : المظروف هو مجموع قوله تعالى : ( لقرآن كريم ) أي هو كذا في كتاب كما يقال : * ( وما أدراك ما عليون ) * ( المطففين : 19 ) في كتاب الله تعالى ، والمراد حينئذ أنه في اللوح المحفوظ نعته مكتوب : * ( إنه لقرآن كريم ) * والكل صحيح ، والأول أبلغ في التعظيم بالمقروء السماوي . المسألة الخامسة : ما المراد من الكتاب ؟ نقول فيه وجوه الأول : وهو الأصح أنه اللوح المحفوظ ويدل عليه قوله تعالى : * ( بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ) * ( البروج : 20 ، 21 ) الثاني : الكتاب هو المصحف الثالث : كتاب من الكتب المنزلة فهو قرآن في التوراة والإنجيل وغيرهما فإن قيل كيف سمي الكتاب كتاباً والكتاب فعال ، وهو إذا كان للواحد فهو إما مصدر كالحساب والقيام وغيرهما ، أو اسم لما يكتب كاللباس واللثام وغيرهما ، فكيفما كان فالقرآن لا يكون في كتاب بمعنى المصدر ، ولا يكون في مكتوب ، وإنما يكون مكتوباً في لوح أو ورق ، فالمكتوب لا يكون في الكتاب ، إنما يكون في القرطاس ، نقول : ما ذكرت من الموازين يدل على أن الكتاب ليس المكتوب ولا هو المكتوب فيه أو المكتوب عليه ، فإن اللثام ما يلثم به ، والصوان ما يصان فيه الثوب ، لكن اللوح لما لم يكن إلا الذي يكتب فيه صح تسميته كتاباً . المسألة السادسة : المكتوب هو المستور قال الله تعالى : * ( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) * ( الواقعة : 23 ) ، قال : * ( بيض