فخر الدين الرازي
190
تفسير الرازي
بمدلوله ، وهو التوحيد والقدرة على الحشر ، وذلك لأن دلالة اختصاص الكواكب بمواضعها في غاية الظهور ولا يلزم الفلاسفة دليل أظهر منه ، وأما المعنوية : فالمسألة الأولى : ما المقسم عليه ؟ نقول : فيه وجهان الأول : القرآن كانوا يجعلونه تارة شعراً وأخرى سحراً وغير ذلك وثانيهما : هو التوحيد والحشر وهو أظهر ، وقوله : * ( لقرآن ) * ابتداء كلام وسنبين ذلك . المسألة الثانية : ما الفائدة في وصفه بالعظيم في قوله : * ( وإنه لقسم ) * فنقول : لما قال : * ( فلا أقسم ) * وكان معناه : لا أقسم بهذا لوضوح المقسم به عليه . قال : لست تاركاً للقسم بهذا ، لأنه ليس بقسم أوليس بقسم عظيم ، بل هو قسم عظيم ولا أقسم به ، بل بأعظم منه أقسم لجزمي بالأمر وعلمي بحقيقته . المسألة الثالثة : اليمين في أكثر الأمر توصف بالمغلظة ، والعظم يقال : في المقسم حلف فلان بالأيمان العظام ، ثم تقول في حقه يمين مغلظة لأن آثامها كبيرة . وأما في حق الله عز وجل فبالعظيم وذلك هو المناسب ، لأن معناه هو الذي قرب قوله من كل قلب وملأ الصدر بالرعب لما بينا أن معنى العظيم فيه ذلك ، كما أن الجسم العظيم هو الذي قرب من أشياء عظيمة وملأ أماكن كثيرة من العظم ، كذلك العظيم الذي ليس بجسم قرب من أمور كثيرة ، وملأ صدوراً كثيرة . ثم قال تعالى : * ( إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * فِى كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : الضمير في قوله تعالى : * ( إنه ) * عائد إلى ماذا ؟ فنقول : فيه وجهان أحدهما : إلى معلوم وهو الكلام الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان معروفاً عند الكل ، وكان الكفار يقولون : إنه شعر وإنه سحر ، فقال تعالى رداً عليهم : * ( إنه لقرآن ) * عائد إلى مذكور وهو جميع ما سبق في سورة الواقعة من التوحيد ، والحشر ، والدلائل المذكورة عليهما ، والقسم الذي قال فيه : * ( وإنه لقسم ) * ( الواقعة : 76 ) وذلك لأنهم قالوا : هذا كله كلام محمد ومخترع من عنده ، فقال : * ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون ) * . المسألة الثانية : القرآن مصدر أو اسم غير مصدر ؟ فنقول : فيه وجهان أحدهما : مصدر أريد به المفعول وهو المقروء ومثله في قوله تعالى : * ( ولو أن قرآناً سيرت به الجبال ) * ( الرعد : 31 ) وهذا كما يقال في الجسم العظيم : أنظر إلى قدرة الله تعالى أي مقدوره وهو كما في قوله تعالى : * ( هذا خلق الله فأروني ) * ( لقمان : 11 ) ثانيهما : اسم لما يقرأ كالقربان لما يتقرب به ، والحلوان لما يحلى به فم المكاري أو الكاهن