فخر الدين الرازي
188
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : مواقع النجوم ما هي ؟ فنقول : فيه وجوه الأول : المشارق والمغارب أو المغارب وحدها ، فإن عندها سقوط النجوم الثاني : هي مواضعها في السماء في بروجها ومنازلها الثالث : مواقعها في اتباع الشياطين عند المزاحمة الرابع : مواقعها يوم القيامة حين تنتثر النجوم ، وأما مواقع نجوم القرآن ، فهي قلوب عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين ، أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها . المسألة الخامسة : هل في اختصاص مواقع النجوم للقسم بها فائدة ؟ قلنا : نعم فائدة جليلة ، وبيانها أنا قد ذكرنا أن القسم بمواقعها كما هي قسم كذلك هي من الدلائل ، وقد بيناه في الذاريات ، وفي الطور ، وفي النجم ، وغيرها ، فنقول : هي هنا أيضاً كذلك ، وذلك من حيث إن الله تعالى لما ذكر خلق الآدمي من المنى وموته ، بين بإشارته إلى إيجاد الضدين في الأنفس قدرته واختياره ، ثم لما ذكر دليلاً من دلائل الأنفس ذكر من دلائل الآفاق أيضاً قدرته واختياره ، فقال : * ( أفرأيتم ما تحرثون ) * ( الواقعة : 63 ) * ( فرأيتم الماء ) * ( الواقعة : 68 ) إلى غير ذلك ، وذكر قدرته على زرعه وجعله حطاماً ، وخلقه الماء فراتاً عذباً ، وجعله أجاجاً ، إشارة إلى أن القادر على الضدين مختار ، ولم يكن ذكر من الدلائل السماوية شيئاً ، فذكر الدليل السماوي في معرض القسم ، وقال : مواقع النجوم ، فإنها أيضاً دليل الاختيار ، لأن كون كل واحد في موضع من السماء دون غيره من المواضع مع استواء المواضع في الحقيقة دليل فاعل مختار ، فقال : * ( بمواقع النجوم ) * ليس إلى البراهين النفسية والآفاقية بالذكر كما قال تعالى : * ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) * ( فصلت : 53 ) وهذا كقوله تعالى : * ( وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون ) * ( الذاريات : 20 ، 21 ) * ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) * ( الذاريات : 22 ) حيث ذكر الأنواع الثلاثة كذلك هنا ، ثم قال تعالى : * ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) * والضمير عائد إلى القسم الذي يتضمنه قوله تعالى : * ( فلا أقسم ) * فإنه يتضمن ذكر المصدر ، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل ، فيقال : ضربته قوياً ، وفيه مسائل نحوية ومعنوية ، أما النحوية : فالمسألة الأولى : هو أن يقال : جواب * ( لو تعلمون ) * ماذا ، وربما يقول بعض من لا يعلم : إن جوابه ما تقدم وهو فاسد في جميع المواضع ، لأن جواب الشرط لا يتقدم ، وذلك لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها ، فلا يقال : زيداً إن قام ولا غيره من الحروف والسر فيه أن عمل الحروف مشبه بعمل المعاني ، ويميز بين الفاعل والمفعول وغيرهما ، فإذا كان العامل معنى لا موضع له في الحس فيعلم تقدمه وتأخر مدرك بالحس ، جاز أن يقال : قائماً ضربت زيد ، أو ضرباً شديداً ضربته ، وأما الحروف فلها تقدم وتأخر مدرك بالحس فلم يمكن بعد علمنا بتأخرها فرض وجودها متقدمة بخلاف المعاني ، إذا ثبت هذا فنقول : عمل حرف الشرط في المعنى إخراج كل واحدة من الجملتين عن كونها جملة مستقلة ، فإذا قلت : من ، وأن ، لا يمكن إخراج الجملة الأولى عن كونها جملة بعد وقوعها جمل ، ليعلم أن حرفها أضعف من عمل المعنى لتوقفه على