فخر الدين الرازي

176

تفسير الرازي

يلزمكم القول بجواز الحشر وصحته ، و ( لولا ) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث والأصل فيه : لم لا ، فإذا قلت : لم لا أكلت ولم ما أكلت ، جاز الاستفهامان ، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له ، كما تقول : لم فعلت ؟ موبخاً ، يكون معناه فعلت أمراً لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرف الاستفهام عن الحكم ، فقالوا : هلا فعلت ؟ كما يقولون في موضع : لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده ، أتفعل هذا وأنت عاقل ؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل : لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة ، ومعناه أن علته غير معلومة وغير ظاهرة ، فلا يجوز ظهور وجوده ، وقوله : أفعلت ، سؤال عن حقيقته ، ومعناه أنه في جنسه غير ممكن ، والسائل عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلوماً وسأل عن العلة كما يقول القائل : زيد جاء فلم جاء ، والسائل عن الوجود لم يسلمه ، وقول القائل : لم فعلت وأنت تعلم ما فيه دون قوله : أفعلت وأنت تعلم ما فيه ، لأن في الأول جعله كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه ، وفي الثاني جعله مخطئاً في أول الأمر ، وإذا علم ما بين لم فعلت ، وأفعلت ، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل ، وأما ( لولا ) فنقول : هي كلمة شرط في الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفي النظر والتواني ، فيقول : لولا تصدقون ، بدل قوله : لم لا ، وهلا ، لأنه أدل على نفي ما دخلت عليه وهو عدم التصديق وفيه لطيفة : وهي أن لولا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) * ( التوبة : 122 ) فما وجه اختصاص المستقبل ههنا بالذكر وهلا قال : فلولا صدقتم ؟ نقول : هذا كلام معهم في الدنيا والإسلام فيها مقبول ويجب ما قبله فقال : لم لا تصدقون في ساعتكم ، والدلائل واضحة مستمر والفائدة حاصلة ، فأما في قوله : * ( فلولا نفر ) * لم تكن الفائدة تحصل إلا بعد مدة فقال : لو سافرتم لحصل لكم الفائدة في الحال وقد فات ذلك ، فإن كنتم لا تسافرون في الحال تفوتكم الفائدة أيضاً في الاستقبال ، ثم قال تعالى : * ( أفرأيتم ما تمنون ) * من تقرير قوله تعالى : * ( نحن خلقناكم ) * وذلك لأنه تعالى لما قال : * ( نحن خلقناكم ) * قال الطبيعيون : نحن موجودون من نطف الخلق بجواهر كامنة وقبل كل واحد نطفة واحد فقال تعالى رداً عليهم : هل رأيتم هذا المنى وأنه جسم ضعيف متشابه الصورة لا بد له من مكون ، فأنتم خلقتم النطفة أم غيركم خلقها ، ولا بد من الاعتراف بخالق غير مخلوق قطعاً للتسلسل الباطل وإلى ربنا المنتهى ، ولا يرتاب فيه أحد من أول ما خلق الله النطفة وصورها وأحياها ونورها فلم لا تصدقون أنه واحد أحد صمد قادر على الأشياء ، فإنه يعيدكم كما أنشأكم في الابتداء ، والاستفهام يفيد زيادة تقرير وقد علمت ذلك مراراً . قوله تعالى : * ( نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ