فخر الدين الرازي
163
تفسير الرازي
في غاية الصغر من الأشجار ، وإلى ما يكون ورقه في غاية الكبر منها ، فوقعت الإشارة إلى الطرفين جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى أوراقها ، والورق أحد مقاصد الشجر ونظيره في الذكر ذكر النخل والرمان عند القصد إلى ذكر الثمار ، لأن بينهما غاية الخلاف كما بيناه في موضعه ، فوقعت الإشارة إليهما جامعة لجميع الأشجار نظراً إلى ثمارها ، وكذلك قلنا في النخيل والأعناب ، فإن النخل من أعظم الأشجار المثمرة ، والكرم من أصغر الأشجار المثمرة ، وبينهما أشجار فوقعت الإشارة إليهما جامعة لسائر الأشجار ، وهذا جواب فائق وفقنا الله تعالى له . المسألة الثالثة : ما معنى المخضود ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : مأخوذ الشوك ، فإن شوك السدر يستقصف ورقها ، ولولاه لكان منتزه العرب ، ذلك لأنها تظل لكثرة أوراقها ودخول بعضها في بعض وثانيهما : مخضود أي متعطف إلى أسفل ، فإن رؤوس أغصان السدر في الدنيا تميل إلى فوق بخلاف أشجار الثمار ، فإن رؤوسهما تتدلى ، وحينئذ معناه أنه يخالف سدر الدنيا ، فإن لها ثمراً كثيراً . المسألة الرابعة : ما الطلح ؟ نقول : الظاهر أنه شجر الموز ، وبه يتم ما ذكرنا من الفائدة روي أن علياً عليه السلام سمع من يقرأ : * ( وطلح منضود ) * فقال : ما شأن الطلح ؟ إنما هو ( وطلع ) ، واستدل بقوله تعالى : * ( لها طلع نضيد ) * ( ق : 10 ) فقالوا : في المصاحف كذلك ، فقال : لا تحول المصاحف ، فنقول : هذا دليل معجزة القرآن ، وغزارة علم علي رضي الله عنه . أما المعجزة فلأن علياً كان من فصحاء العرب ولما سمع هذا حمله على الطلع واستمر عليه ، وما كان قد اتفق حرفه لمبادرة ذهنه إلى معنى ، ثم قال في نفسه : إن هذا الكلام في غاية الحسن ، لأنه تعالى ذكر الشجر المقصود منه الورق للاستظلال به ، والشجر المقصود منه الثمر للاستغلال به ، فذكر النوعين ، ثم إنه لما اطلع على حقيقة اللفظ علم أن الطلح في هذا الموضع أولى ، وهو أفصح من الكلام الذي ظنه في غاية الفصاحة فقال : المصحف بين لي أنه خير مما كان في ظني فالمصحف لا يحول . والذي يؤيد هذا أنه لو كان طلع لكان قوله تعالى : * ( وفاكهة كثيرة ) * ( الواقعة : 32 ) تكرار أحرف من غير فائدة ، وأما على الطلح فتظهر فائدة قوله تعالى : * ( وفاكهة ) * وسنبينها إن شاء الله تعالى . المسألة الخامسة : ما المنضود ؟ فنقول : إما الورق وإما الثمر ، والظاهر أن المراد الورق ، لأن شجر الموز من أوله إلى أعلاه يكون ورقاً بعد ورق ، وهو ينبت كشجر الحنطة ورقاً بعد ورق وساقه يغلظ وترتفع أوراقه ، ويبقى بعضها دون بعض ، كما في القصب ، فموز الدنيا إذا ثبت كان بين القصب وبين بعضها فرجة ، وليس عليها ورق ، وموز الآخرة يكون ورقه متصلاً بعضه ببعض فهو أكثر أوراقاً ، وقيل : المنضود المثمر ، فإن قيل : إذا كان الطلح شجراً فهو لا يكون منضوداً وإنما يكون له ثمر منضود ، فكيف وصف به الطلح ؟ نقول : هو من باب حسن الوجه وصف بسبب اتصاف ما يتصل به ، يقال : زيد حسن الوجه ، وقد يترك الوجه ويقال : زيد حسن والمراد