فخر الدين الرازي
161
تفسير الرازي
قبله يصح عود الضمير إليه ، وإما إلى معلوم غير مذكور وهو محمد صلى الله عليه وسلم لكن الخطاب بقوله : * ( فاصفح ) * ( الحجر : 85 ) كان يقتضي أن يقول ، وقيلك يا رب لأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المخاطب أولاً بكلام الله ، وقد قال قبله : * ( ولئن سألتهم ) * ( الزخرف : 87 ) وقال من قبل : * ( قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ) * ( الزخرف : 81 ) وكان هو المخاطب أولاً ، إذا تحقق هذا ؟ نقول : إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظاً مراعى ، فقال ههنا : * ( إلا قيلا سلاماً سلاماً ) * لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائماً من الملائكة والناس كما قال تعالى : * ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ) * ( الرعد : 23 ، 24 ) وقال تعالى : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) حيث كان المسلم منفرداً ، وهو الله كأنه قال : سلام قولاً منا ، وقال تعالى : * ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً ) * ( فصلت : 33 ) وقال : * ( هي أشد وطئاً وأقوم قيلاً ) * ( المزمل : 6 ) لأن الداعي معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلاً فإن قوله : قويم ، ونهجه مستقيم ، وقال تعالى : * ( وقيله يا رب ) * ( الزخرف : 88 ) لأن كل أحد يقول : إنهم لا يؤمنون . أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم وإصرارهم ، ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال : * ( لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً ) * والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله ، فقال : * ( إلا قيلاً ) * وهو سلام عليك ، وأما قول من يعرف وهو الله فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال : * ( سلام قولاً ) * ( يس : 58 ) . المسألة السادسة : * ( سلام ) * ، فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه صفة وصف الله تعالى بها * ( قيلا ) * كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال : رجل عدل ، وقوم صوم ، ومعناه إلا قيلا سالماً عن العيوب ، وثانيها : هو مصدر تقديره ، إلا أن يقولوا سلاماً وثالثها : هو بدل من * ( قيلا ) * ، تقديره : إلا سلاماً . المسألة السابعة : تكرير السلام هل فيه فائدة ؟ نقول : فيه إشارة إلى تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر : السلام عليك ، فيقول الآخر : وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون : * ( سلاماً سلاماً ) * ثم إنه تعالى لما قال : * ( سلام قولاً من رب رحيم ) * ( يس : 58 ) لم يكن له رد لأن تسليم الله على عبده مؤمن له ، فأما الله تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . المسألة الثامنة : ما الفرق بين قوله تعالى : * ( سلاماً سلاماً ) * بنصبهما ، وبين قوله تعالى : * ( قالوا سلاماً قال سلام ) * ( هود : 69 ) قلنا : قد ذكرنا هناك أن قوله : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ من قولهم سلاماً عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيراً . المسألة التاسعة : إذا كان قول القائل : ( سلام عليك ) أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة