فخر الدين الرازي

160

تفسير الرازي

مشتركان في إثبات خلاف ما تقدم ، نقول : المجاز في الأسماء أولى من المجاز في الحروف لأنها تقبل التغير في الدلالة وتتغير في الأحوال ، ولا كذلك الحروف لأن الحروف لا تصير مجازاً إلا بالاقتران باسم والاسم يصير مجازاً من غير الاقتران بحرف فإنك تقول : رأيت أسداً يرمي ويكون مجازاً ولا اقتران له بحرف ، وكذلك إذا قلت لرجل : هذا أسد وتريد بأسد كامل الشجاعة ، ولأن عرض المتكلم في قوله مالي ذنب إلا أني أحبك ، لا يحصل بما ذكرت من المجاز ، ولأن العدول عن الأصل لا يكون له فائدة من المبالغة والبلاغة . المسألة الخامسة : في قوله تعالى : * ( قيلا ) * قولان : أحدهما : إنه مصدر كالقول فيكون قيلا مصدراً ، كما أن القول مصدر لكن لا يظهر له في باب فعل يفعل إلا حرف ثانيهما : إنه اسم والقول مصدر فهو كالسدل والستر بكسر السين اسم وبفتحها مصدر وهو الأظهر ، وعلى هذا نقول : الظاهر أنه اسم مأخوذ من فعل هو : قال وقيل ، لما لم يذكر فاعله ، وما قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القيل والقال ، يكون معناه نهى عن المشاجرة ، وحكاية أمور جرت بين أقوام لا فائدة في ذكرها ، وليس فيها إلا مجرد الحكاية من غير وعظ ولا حكمة لقوله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله عبداً قال خيراً فغنم ، أو سكت فسلم " وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله ، والقال اسم للقول مأخوذ من قيل لما لم يذكر فاعله ، تقول : قال فلان كذا ، ثم قيل له : كذا ، فقال : كذا ، فيكون حاصل كلامه قيل وقال ، وعلى هذا فالقيل اسم لقول لم يعلم قائله ، والقال مأخوذ من قيل هو قال ، ولقائل أن يقول : هذا باطل لقوله تعالى : * ( وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) * ( الزخرف : 88 ) فإن الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم أي يعلم الله قيل محمد : * ( يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) * ، كما قال نوح عليه السلام : * ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ) * ( نوح : 27 ) ، وعلى هذا فقوله تعالى : * ( فاصفح عنهم وقل سلام ) * ( الزخرف : 89 ) إرشاد له لئلا يدعو على قومه عند يأسه منهم كما دعا عليهم نوح عنده ، وإذا كان القول مضافاً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلا يكون القيل اسماً لقول لم يعلم قائله ؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : إن قولنا : إنه اسم مأخوذ من قيل الموضوع لقول لم يعلم قائله في الأصل لا ينافي جواز استعماله في قول من علم بغير الموضوع وثانيهما : وهو الجواب الدقيق أن نقول : الهاء في : * ( وقيله ) * ضمير كما في ربه وكالضمير المجهول عند الكوفيين وهو ضمير الشأن ، وعند البصريين قال : * ( فإنها لا تعمي الأبصار ) * ( الحج : 46 ) والهاء غير عائد إلى مذكور ، غير أن الكوفيين جعلوه لغير معلوم والبصريين جعلوه ضمير القصة ، والظاهر في هذه المسألة قول الكوفيين ، وعلى هذا معنى عبارتهم بلغ غاية علم الله تعالى قيل القائل منهم : * ( يا رب إن هؤلاء ) * ، إشارة إلى أن الاختصاص بذلك القول في كل أحد إنهم لا يؤمنون لعلمه أنهم قائلون بهذا وأنهم عالمون ، وأهل السماء علموا بأن عند الله علم الساعة يعلمها فيعلم قول من يقول : * ( يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ) * ( الزخرف : 88 ) من غير تعيين قول لاشتراك الكل فيه ، ويؤيد هذا أن الضمير لو كان عائداً إلى معلوم فإما أن يكون إلى مذكور قبله ، ولا شيء فيما