فخر الدين الرازي
154
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) * . وفيها قراءات الأولى : الرفع وهو المشهور ، ويكون عطفاً على ولدان ، فإن قيل قال قبله : * ( حور مقصورات في الخيام ) * ( الرحمن : 72 ) إشارة إلى كونها مخدرة ومستورة ، فكيف يصح قولك : إنه عطف على ولدان ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : وهو المشهور أن نقول : هو عطف عليهم في اللفظ لا في المعنى ، أو في المعنى على التقدير والمفهوم لأن قوله تعالى : * ( يطوف عليهم ولدان ) * ( الواقعة : 17 ) معناه لهم ولدان كما قال تعالى : * ( ويطوف عليهم غلمان لهم ) * ( الطور : 24 ) فيكون : * ( وحور عين ) * بمعنى ولهم حور عين وثانيهما : وهو أن يقال : ليست الحور منحصرات في جنس ، بل لأهل الجنة : * ( حور مقصورات ) * في حظائر معظمات ولهن جواري وخوادم ، وحور تطوف مع الولدان السقاة فيكون كأنه قال : يطوف عليهم ولدان ونساء الثانية : الجر عطفاً على أكواب وأباريق ، فإن قيل : كيف يطاف بهن عليهم ؟ نقول : الجواب سبق عند قوله : * ( ولحم طير ) * ( الواقعة : 21 ) أو عطفاً على : * ( جنات ) * أي : * ( أولئك المقربون في جنات النعيم ) * ( الواقعة : 12 ) وحور وقرئ * ( حوراً عيناً ) * بالنصب ، ولعل الحاصل على هذه القراءة على غير العطف بمعنى العطف لكن هذا القارئ لا بد له من تقدير ناصب فيقول : يؤتون حوراً فيقال : قد رافعاً فقال : ولهم حور عين فلا يلزم الخروج عن موافقة العاطف وقوله تعالى : * ( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) * فيه مباحث . الأول : الكاف للتشبيه ، والمثل حقيقة فيه ، فلو قال : أمثال اللؤلؤ المكنون لم يكن إلى الكاف حاجة ، فما وجه الجمع بين كلمتي التشبيه ؟ نقول : الجواب المشهور أن كلمتي التشبيه يفيدان التأكيد والزيادة في التشبيه ، فإن قيل : ليس كذلك بل لا يفيدان ما يفيد أحدهما لأنك إن قلت مثلاً : هو كاللؤلؤة للمشبه ، دون المشبه به في الأمر الذي لأجله التشبيه ؟ نقول : التحقيق فيه ، هو أن الشيء إذا كان له مثل فهو مثله ، فإذا قلت هو مثل القمر لا يكون في المبالغة مثل قولك هو قمر وكذلك قولنا : هو كالأسد ، وهو أسد ، فإذا قلت : كمثل اللؤلؤ كأنك قلت : مثل اللؤلؤ وقولك : هو اللؤلؤ أبلغ من قولك : هو كاللؤلؤ ، وهذا البحث يفيدنا ههنا ، ولا يفيدنا في قوله تعالى : * ( ليس كمثله شيء ) * لأن النفي في مقابلة الإثبات ، ولا يفهم معنى النفي من الكلام ما لم يفهم معنى الإثبات الذي يقابله ، فنقول قوله : * ( ليس كمثله شيء ) * في مقابلة قول من يقول : كمثله شيء ، فنفى ما أثبته لكن معنى قوله : * ( كمثله شيء ) * إذا لم نقل بزيادة الكاف هو أن مثل مثله شيء ، وهذا كلام يدل على أن له مثلاً ، ثم إن لمثله مثلاً ، فإذا قلنا : ليس كذلك كان رداً عليه ، والرد عليه صحيح بقي أن يقال : إن الراد على من يثبت أموراً لا يكون نافياً لكل ما أثبته ، فإذا قال قائل : زيد عالم جيد ، ثم قيل رداً عليه : ليس زيد عالماً جيداً لا يلزم من هذا أن يكون نافياً لكونه عالماً ، فمن يقول : * ( ليس كمثله شيء ) * بمعنى ليس مثل مثله شيء لا يلزم أن يكون نافياً لمثله ، بل يحتمل أن يكون نافياً لمثل المثل ، فلا يكون