فخر الدين الرازي
152
تفسير الرازي
نفسها وبيان ما عليها ، فالنظر وقع عليها لا على الشاربين ولو كان المقصود أنهم لا يصدعون عنها لوصف منهم لما كان مدحاً لها ، وأما إذا قال : هي لا تصدع لأمر فيها يكون مدحاً لها فلما وقع النظر عليها قال عنها ، وأما إذا كنت تصف رجلاً بكثرة الشرب وقوته عليه ، فإنك تقول : في حقه هو لا يصدع من كذا من الخمر ، فإذا وصفت الخمر تقول هذه لا يصدع عنها أحد . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( ولا ينزفون ) * تقدم تفسيره في الصافات والذي يحسن ذكره هنا أن نقول : إن كان معنى * ( لا ينزفون ) * لا يسكرون ، فنقول : إما أن نقول معنى : * ( لا يصدعون ) * أنهم لا يصيبهم الصداع ، وإما أنهم لا يفقدون ، فإن قلنا : بالقول الأول فالترتيب في غاية الحسن لأنه على طريقة الارتقاء ، فإن قوله تعالى : * ( لا يصدعون ) * معناه لا يصيبهم الصداع لكن هذا لا ينفي السكر فقال : بعده ولا يورث السكر ، كقول القائل : ليس فيه مفسدة كثيرة ، ثم يقول : ولا قليلة ، تتميماً للبيان ، ولو عكست الترتيب لا يكون حسناً ، وإن قلنا : * ( لا ينزفون ) * لا يفقدون فالترتيب أيضاً كذلك لأن قولنا : * ( لا يصدعون ) * أي لا يفقدونه ومع كثرته ودوام شربه لا يسكرون فإن عدم السكر لنفاد الشراب ليس بعجب ، لكن عدم سكرهم مع أنهم مستديمون للشراب عجيب وإن قلنا : * ( لا ينزفون ) * بمعنى لا ينفد شرابهم كما بينا هناك . فنقول : أيضاً إن كان لا يصدعون بمعنى لا يصيبهم صداع فالترتيب في غاية الحسن ، وذلك لأن قوله : * ( لا يصدعون ) * لا يكون بيان أمر عجيب إن كان شرابهم قليلاً فقال : * ( لا يصدعون عنها ) * مع أنهم لا يفقدون الشراب ولا ينزفون الشراب ، وإن كان بمعنى لا ينزفون عنها فالترتيب حسن لأن معناه لا ينزفون عنها بمعنى لا يخرجون عما هم فيه ولا يؤخذ منهم ما أعطوا من الشراب ، ثم إذا أفنوها بالشراب يعطون . ثم قال تعالى : * ( وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه الجر ، والفاكهة لا يطوف بها الولدان والعطف يقتضي ذلك ؟ نقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حالتين أحدهما : حالة الشرب والأخرى حال عدمه ، فالفاكهة من رؤوس الأشجار تؤخذ ، كما قال تعالى : * ( قطوفها دانية ) * ( الحاقة : 23 ) وقال : * ( وجنى الجنتين دان ) * ( الرحمن : 54 ) إلى غير ذلك ، وأما حالة الشراب فجاز أن يطوف بها الولدان ، فيناولوهم الفواكه الغريبة واللحوم العجيبة لا للأكل بل للإكرام ، كما يضع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده عنده وإن كان كل واحد منهما مشاركاً للآخر في القرب منها والوجه الثاني : أن يكون عطفاً في المعنى على جنات النعيم ، أي هم المقربون في جنات وفاكهة ، ولحم وحور ، أي في هذه النعم يتقلبون ، والمشهور أنه عطف في اللفظ للمجاورة لا في المعنى ، وكيف لا يجوز هذا ، وقد جاز تقلد سيفاً ورمحاً .