فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : * ( إلا ما سعى ) * بصيغة الماضي دون المستقبل لزياد الحث على السعي في العمل الصالح وتقريره هو أنه تعالى لو قال : ليس للإنسان إلا ما يسعى ، تقول النفس إني أصلي غداً كذا ركعة وأتصدق بكذا درهماً ، ثم يجعل مثبتاً في صحيفتي الآن لأنه أمر يسعى وله فيه ما يسعى فيه ، فقال : ليس له إلا ما قد سعى وحصل وفرغ منه ، وأما تسويلات الشيطان وعداته فلا اعتماد عليها ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآءَ الأَوْفَى ) * . أي يعرض عليه ويكشف له من أريته الشيء ، وفيه بشارة للمؤمنين على ما ذكرنا ، وذلك أن الله يريه أعماله الصالحة ليفرح بها ، أو يكون يرى ملائكته وسائر خلقه ليفتخر العامل به على ما هو المشهور وهو مذكور لفرح المسلم ولحزن الكافر ، فإن سعيه يرى للخلق ، ويرى لنفسه ويحتمل أن يقال : هو من رأى يرى فيكون كقوله تعالى : * ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ) * ( التوبة : 105 ) وفيها وفي الآية التي بعدها مسائل : الأولى : العمل كيف يرى بعد وجوده ومضيه ؟ نقول فيه وجهان : أحدهما : يراه على صورة جميلة إن كان العمل صالحاً ثانيهما : هو على مذهبنا غير بعيد فإن كل موجود يرى ، والله قادر على إعادة كل معدوم فبعد الفعل يرى وفيه وجه ثالث : وهو أن ذلك مجاز عن الثواب يقال : سترى إحسانك عند الملك أي جزاءه عليه وهو بعيد لما قال بعده : * ( ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) * . المسألة الثانية : الهاء ضمير السعي أي ثم يجزى الإنسان سعيه بالجزاء ، والجزاء يتعدى إلى مفعولين قال تعالى : * ( وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً ) * ( الإنسان : 12 ) ويقال : جزاك الله خيراً ، ويتعدى إلى ثلاثة مفاعيل بحرف يقال : جزاه الله على عمله الخير الجنة ، ويحذف الجار ويوصل الفعل فيقال : جزاه الله عمله الخير الجنة ، هذا وجه ، وفيه وجه آخر وهو أن الضمير للجزاء ، وتقديره ثم يجزى جزاء ويكون قوله : * ( الجزاء الأوفى ) * تفسيراً أو بدلاً مثل قوله تعالى : * ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) * ( الأنبياء : 3 ) فإن التقدير والذين ظلموا أسروا النجوى ، الذين ظلموا ، والجزاء الأوفى على ما ذكرنا يليق بالمؤمنين الصالحين لأنه جزاء الصالح ، وإن قال تعالى : * ( فإن جهنم جزاؤكم جزاءً موفوراً ) * ( الإسراء : 63 ) وعلى ما قيل : يجاب أن الأوفى بالنظر إليه فإن جهنم ضررها أكثر بكثير مع نفع الآثام فهي في نفسها أوفى . المسألة الثالثة : * ( ثم ) * لتراخي الجزاء أو لتراخي الكلام أي ثم نقول يجزاه فإن كان لتراخي الجزاء فكيف يؤخر الجزاء عن الصالح ، وقد ثبت أن الظاهر أن المراد منه الصالح ؟ نقول : الوجهان محتملان وجواب السؤال هو أن الوصف بالأوفى يدفع ما ذكرت لأن الله تعالى من أول زمان يموت الصالح يجزيه جزاء على خيره ويؤخر له الجزاء الأوفى ، وهي الجنة أو نقول الأوفى إشارة إلى الزيادة فصار كقوله تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى ) * ( يونس : 26 ) وهي الجنة : * ( وزيادة ) * وهي الرؤية فكأنه