فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

له اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه ، فصار في مقابلة اليمين كيفما يدور فيقال : في مقابلة اليمنى اليسرى ، وفي مقابلة الأيمن الأيسر ، وفي مقابلة الميمنة الميسرة ، ولا تستعمل الشمال كما تستعمل اليمين ، فلا يقال : الأشمل ولا المشملة ، وتستعمل المشأمة كما تستعمل الميمنة ، فلا يقال : في مقابلة اليمين لفظ من باب الشؤم ، وأما الشآم فليس في مقابلة اليمين بل في مقابلة يمان ، إذا علم هذا فنقول : بعد ما قالوا باليمين لم يتركوه واقتصروا على استعمال لفظ اليمين في الجانب المعروف من الآدمي ، ولفظ الشمال في مقابلته وحدث لهم لفظان آخران فيه أحدهما : الشمال وذلك لأنهم نظروا إلى الكواكب من السماء وجعلوا ممرها وجه الإنسان وجعلوا السماء جانبين وجعلوا أحدهما أقوى كما رأوا في الإنسان ، فسموا الأقوى بالجنوب لقوة الجانب كما يقال : غضوب ورؤوف ، ثم رأوا في مقابلة الجنوب جانباً آخر شمل ذلك الجانب عمارة العالم فسموه شمالاً واللفظ الآخر : المشأمة والأشأم في مقابلة الميمنة والأيمن ، وذلك لأنهم لما أخذوا من اليمين اليمن وغيره للتفاؤل وضعوا الشؤم في مقابلته لا في أعضائهم وجوانبهم تكرهاً لجعل جانب من جوانب نفسه شؤماً ، ولما وضعوا ذلك واستمر الأمر عليه نقلوا اليمين من الجانب إلى غيره ، فالله تعالى ذكر الكفار بلفظين مختلفين فقال : * ( وأصحاب المشأمة ) * * ( وأصحاب الشمال ) * وترك لفظ الميسرة واليسار الدال على هون الأمر ، فقال ههنا : * ( وأصحاب المشأمة ) * بأفظع الاسمين ، ولهذا قالوا في العساكر : الميمنة والميسرة اجتناباً من لفظ الشؤم . ثم قال تعالى : * ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في إعرابه ثلاثة أوجه أحدها : * ( والسابقون ) * عطف على * ( وأصحاب الميمنة ) * ( الواقعة : 8 ) وعنده تم الكلام ، وقوله : * ( والسابقون . . . أولئك المقربون ) * جملة واحدة والثاني : أن قوله : * ( والسابقون السابقون ) * جملة واحدة ، كما يقول القائل : أنت أنت وكما قال الشاعر : أنا أبو النجم وشعري شعري وفيه وجهان أحدهما : أن يكون لشهرة أمر المبتدأ بما هو عليه فلا حاجة إلى الخبر عنه وهو مراد الشاعر وهو المشهور عند النحاة والثاني : للإشارة إلى أن في المبتدأ مالا يحيط العلم به ولا يخبر عنه ولا يعرف منه إلا نفس المبتدأ ، وهو كما يقول القائل لغيره أخبرني عن حال الملك فيقول : لا أعرف من الملك إلا أنه ملك فقوله : * ( والسابقون السابقون ) * أي لا يمكن الإخبار عنهم إلا بنفسهم فإن حالهم وما هم عليه فوق أن يحيط به علم البشر وههنا لطيفة : وهي أنه في أصحاب الميمنة قال : * ( ما أصحاب الميمنة ) * ( الواقعة : 8 ) بالاستفهام وإن كان للإعجاز لكن جعلهم مورد الاستفهام وههنا لم يقل : والسابقون ما السابقون ، لأن الاستفهام الذي للإعجاز يورد على مدعي العلم فيقال