فخر الدين الرازي

140

تفسير الرازي

لكل أحد ، وكيفية وقوعها ، فلا يوجد لها كاذبة ولا متأول يظهر فقوله : * ( خافضة رافعة ) * معطوف على * ( كاذبة ) * نسقاً ، فيكون كما يقول القائل : ليس لي في الأمر شك ولا خطأ ، أي لا قدرة لأحد على رفع المنخفض ولا خفض المرتفع . المسألة الثانية : * ( إذا وقعت الواقعة ) * يحتمل أن تكون الواقعة صفة لمحذوف وهي القيامة أو الزلزلة على ما بينا ، ويحتمل أن يكون المحذوف شيئاً غير معين ، وتكون تاء التأنيث مشيرة إلى شدة الأمر الواقع وهوله ، كما يقال : كانت الكائنة والمراد كان الأمر كائناً ما كان ، وقولنا : الأمر كائن لا يفيد إلا حدوث أمر ولو كان يسيراً بالنسبة إلى قوله : كانت الكائنة ، إذ في الكائنة وصف زائد على نفس كونه شيئاً ، ولنبين هذا ببيان كون الهاء للمبالغة في قولهم : فلان راوية ونسابة ، وهو أنهم إذا أرادوا أن يأتوا بالمبالغة في كونه راوياً كان لهم أن يأتوا بوصف بعد الخبر ويقولون : فلان راو جيد أو حسن أو فاضل ، فعدلوا عن التطويل إلى الإيجاز مع زيادة فائدة ، فقالوا : نأتي بحرف نيابة عن كلمة كما أتينا بهاء التأنيث حيث قلنا : ظالمة بدل قول القائل : ظالم أنثى ، ولهذا لزمهم بيان الأنثى عند مالا يمكن بيانها بالهاء في قولهم شاة أنثى وكالكتابة في الجمع حيث قلنا : قالوا بدلاً عن قول القائل : قال وقال وقال ، وقالا بدلاً عن قوله : قال وقال فكذلك في المبالغة أرادوا أن يأتوا بحرف يغني عن كلمة والحرف الدال على الزيادة ينبغي أن يكون في الآخر ، لأن الزيادة بعد أصل الشيء ، فوضعوا الهاء عند عدم كونها للتأنيث والتوحيد في اللفظ المفرد لا في الجمع للمبالغة إذا ثبت هذا فنقول : في كانت الكائنة ووقعت الواقعة حصل هذا معنى لا لفظاً ، أما معنى فلأنهم قصدوا بقولهم : كانت الكائنة أن الكائن زائد على أصل ما يكون ، وأما لفظاً فلأن الهاء لو كانت للمبالغة لما جاز إثبات ضمير المؤنث في الفعل ، بل كان ينبغي أن يقولوا : كان الكائنة ووقع الواقعة ، ولا يمكن ذلك لأنا نقول : المراد به المبالغة . المسألة الثالثة : العامل في * ( إذا ) * ماذا ؟ نقول : فيه ثلاث أوجه أحدها : فعل متقدم يجعل إذا مفعولاً به لا ظرفاً وهو أذكر ، كأنه قال : أذكر القيامة ثانيها : العامل فيها ليس لوقعتها كاذبة كما تقول : يوم الجمعة ليس لي شغل ثالثها : يخفض قوم ويرفع قوم ، وقد دل عليه * ( خافضة رافعة ) * ، وقيل : العامل فيها قوله : * ( وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة ) * ( الواقعة : 8 ) أي في يوم وقوع الواقعة . المسألة الرابعة : * ( ليس لوقعتها ) * إشارة إلى أنها تقع دفعة واحدة فالوقعة للمرة الواحدة ، وقوله : * ( كاذبة ) * يحتمل وجوهاً أحدها : كاذبة صفة لمحذوف أقيمت مقامه تقديره ليس لها نفس تكذب ثانيها : الهاء للمبالغة كما تقول في الواقعة وقد تقدم بيانه ثالثها : هي مصدر كالعاقبة فإن قلنا بالوجه الأول فاللام تحتمل وجهين أحدهما : أن تكون للتعليل أي لا تكذب نفس في ذلك اليوم لشدة وقعتها كما يقال : لا كاذب عند الملك لضبطه الأمور فيكون نفياً عاماً بمعنى أن كل أحد يصدقه فيما يقول وقال : وقبله نفوس كواذب في أمور كثيرة ولا كاذب فيقول :