فخر الدين الرازي
133
تفسير الرازي
رجاء من عين له ، هذا إذا كان الكريم في غاية الكرم ونهاية الغنى ، إذا ثبت هذا فالله تعالى قال : جزاء من أحسن إلى أن أحسن إليه بما يغبط به ، وأوصل إليه فوق ما يشتهيه فالذي يعطي الله فوق ما يرجوه وذلك على وفق كرمه وإفضاله . ثم قال تعالى : * ( وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُدْهَآمَّتَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ * فَبِأَى ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . لما ذكر الجزاء ذكر بعده مثله وهو جنتان أخريان ، وهذا كقوله تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) وفي قوله تعالى : * ( دونهما ) * وجهان أحدهما : دونهما في الشرف ، وهو ما اختاره صاحب الكشاف وقال قوله : * ( مدهامتان ) * مع قوله في الأوليين : * ( ذواتا أفنان ) * ( الرحمن : 48 ) وقوله في هذه : * ( عينان نضاختان ) * مع قوله في الأوليين : * ( عينان تجريان ) * ( الرحمن : 50 ) لأن النضخ دون الجري ، وقوله في الأولين : * ( من كل فاكهة زوجان ) * ( الرحمن : 52 ) مع قوله في هاتين : * ( فاكهة ونخل ورمان ) * ( الرحمن : 68 ) وقوله في الأوليين : * ( فرش بطائنها من إستبرق ) * حيث ترك ذكر الظهائر لعلوها ورفعتها وعدم إدراك العقول إياها مع قوله في هاتين : * ( رفرف خضر ) * ( الرحمن : 76 ) دليل عليه ، ولقائل أن يقول : هذا ضعيف لأن عطايا الله في الآخرة متتابعة لا يعطي شيئاً بعد شيء إلا ويظن الظان أنه ذلك أو خير منه . ويمكن أن يجاب عنه تقريراً لما اختاره الزمخشري أن الجنتين اللتين دون الأولين لذريتهم اللذين ألحقهم الله بهم ولأتباعهم ، ولكنه إنما جعلهما لهم إنعاماً عليهم ، أي هاتان الأخريان لكم أسكنوا فيهما من تريدون الثاني : أن المراد دونهما في المكان كأنهم في جنتين ويطلعوا من فوق على جنتين أخريين دونهما ، ويدل عليه قوله تعالى * ( لهم غرف من فوقها غرف ) * ( الزمر : 20 ) الآية . والغرف العالية عندها أفنان ، والغرف التي دونها أرضها مخضرة ، وعلى هذا ففي الآيات لطائف : الأولى : قال في الأوليين : * ( ذواتا أفنان ) * وقال في هاتين : * ( مدهامتان ) * أي مخضرتان في غاية الخضرة ، وإدهام الشيء أي اسواد لكن لا يستعمل في بعض الأشياء والأرض إذا اخضرت غاية الخضرة تضرب إلى أسود ، ويحتمل أن يقال : الأرض الخالية عن الزرع يقال لها : بياض أرض وإذا كانت معمورة يقال لها : سواد أرض كما يقال : سواد البلد ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عليكم بالسواد الأعظم ومن كثر سواد قوم فهو منهم " والتحقيق فيه أن ابتداء الألوان هو البياض