فخر الدين الرازي
124
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . هي جمع فنن أي ذواتا أغصان أو جمع فن أي فيهما فنون من الأشجار وأنواع من الثمار . فإن قيل : أي الوجهين أقوى ؟ نقول : الأول لوجهين أحدهما : أن الأفنان في جمع فنن هو المشهور والفنون في جمع الفن كذلك ، ولا يظن أن الأفنان والفنون جمع فن بل كل واحد منهما جمع معرف بحرف التعريف والأفعال في فعل كثير والفعول في فعل أكثر ثانيهما : قوله تعالى : * ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) * ( الرحمن : 52 ) مستقل بما ذكر من الفائدة ، ولأن ذلك فيما يكون ثابتاً لا تفاوت فيه ذهناً ووجوداً أكثر ، فإن قيل : كيف تمدح بالأفنان والجنات في الدنيا ذوات أفنان كذلك ؟ نقول : فيه وجهان أحدهما : أن الجنات في الأصل ذوات أشجار ، والأشجار ذوات أغصان ، والأغصان ذوات أزهار وأثمار ، وهي لتنزه الناظر إلا أن جنة الدنيا لضرورة الحاجة وجنة الآخرة ليست كالدنيا فلا يكون فيها إلا ما فيه اللذة وأما الحاجة فلا ، وأصول الأشجار وسوقها أمور محتاج إليها مانعة للإنسان عن التردد في البستان كيفما شاء ، فالجنة فيها أفنان عليها أوراق عجيبة ، وثمار طيبة من غير سوق غلاظ ، ويدل عليه أنه تعالى لم يصف الجنة إلا بما فيه اللذة بقوله : * ( ذواتا أفنان ) * أي الجنة هي ذات فنن غير كائن على أصل وعرف بل هي واقفة في الجو وأهلها من تحتها والثاني : من الوجهين هو أن التنكير للأفنان للتكثير أو للتعجب . ثم قال تعالى : * ( فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . أي في كل واحدة منهما عين جارية ، كما قال تعالى : * ( فيها عين جارية ) * وفي كل واحدة منهما من الفواكه نوعان ، وفيها مسائل بعضها يذكر عند تفسير قوله تعالى : * ( فيهما عينان نضاختان ، فيهما فاكهة ونخل ورمان ) * ( الرحمن : 66 ، 68 ) وبعضها يذكر ههنا . المسألة الأولى : هي أن قوله : * ( ذواتا أفنان ) * ( الرحمن : 48 ) و * ( فيهما عينان تجريان ) * و * ( فيهما من كل فاكهة زوجان ) * كلها أوصاف للجنتين المذكورتين فهو كالكلام الواحد تقديره : جنتان ذواتا أفنان ، ثابت فيهما عينان ، كائن فيهما من كل فاكهة زوجان ، فإن قيل : ما الفائدة في فصل بعضها عن بعض بقوله تعالى : * ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) * ثلاث مرات مع أنه في ذكر العذاب ما فصل بين كلامين بها حيث قال : * ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) * ( الرحمن : 35 ) مع أن إرسال نحاس غير