فخر الدين الرازي
122
تفسير الرازي
يحسن الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء والأرض والنجم والشجر والشمس والقمر وغيرها مما يدرك ويشاهد ، لكن النار والجنة ذكرتا للترهيب والترغيب كما بينا أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب وتحرمان الثواب . ثم قال تعالى : * ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه لطائف : الأولى : التعريف في عذاب جهنم قال : * ( هذه جهنم ) * ( الرحمن : 43 ) والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد ، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) * ( ق : 45 ) أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي ، والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * ( فاطر : 28 ) لأنهم عرفوا عظمة الله فخافوه لا لذل منهم ، بل لعظمة جانب الله ، وكذلك قوله : * ( من خشية ربهم مشفقون ) * ( المؤمنون : 57 ) وقال تعالى : * ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) * ( الحشر : 21 ) أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية الله لعظمته ، وكذلك قوله تعالى : * ( وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) * ( الأحزاب : 37 ) وإنما قلنا : إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي ، وقال تعالى في الخوف : * ( ولا تخف سنعيدها ) * ( طه : 21 ) لما كان الخوف يضعف في موسى ، وقال : * ( لا تخف ولا تحزن ) * ( العنكبوت : 33 ) وقال : * ( فأخاف أن يقتلون ) * ( الشعراء : 14 ) وقال إني : * ( خفت الموالي من ورائي ) * ( مريم : 5 ) ويدل عليه تقاليب خ وف فإن قولك خفي قريب منه ، والخافي فيه ضعف والأخيف يدل عليه أيضاً ، وإذا علم هذا فالله تعالى مخوف ومخشي ، والعبد من الله خائف وخاش ، لأنه إذا نظر إلى نفسه رآها في غاية الضعف فهو خائف ، وإذا نظر إلى حضرة الله رآها في غاية العظمة فهو خاش ، لكن درجة الخاشي فوق درجة الخائف ، فلهذا قال : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * جعله منحصراً فيهم لأنهم وإن فرضوا أنفسهم على غير ما هم عليه ، وقدروا أن الله رفع عنهم جميع ما هم فيه من الحوائج لا يتركون خشيته ، بل تزداد خشيتهم ، وإما الذي يخافه من حيث إنه يفقره أو يسلب جاهه ، فربما يقل خوفه إذا أمن ذلك ، فلذلك قال تعالى : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * وإذا كان هذا للخائف فما ظنك بالخاشي ؟ الثالثة : لما ذكر الخوف ذكر المقام ، وعند الخشية ذكر اسمه الكريم فقال : * ( إنما يخشى الله ) * وقال : * ( لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله ) * وقال عليه السلام : " خشية الله رأس كل حكمة " لأنه يعرف ربه بالعظمة فيخشاه . وفي مقام ربه قولان : أحدهما : مقام ربه أي المقام الذي يقوم هو فيه بين يدي ربه ، وهو مقام عبادته كما يقال : هذا معبد الله وهذا معبد الباري أي المقام الذي يعبد الله العبد فيه والثاني : مقام ربه الموضع الذي فيه الله قائم على عباده من قوله تعالى :