فخر الدين الرازي
119
تفسير الرازي
ومعنى الكلام لا يقال : لأحد اعف عن فلان ، لبيان أن لا مسؤول في ذلك الوقت من الإنس والجن ، وإنما كلهم سائلون الله والله تعالى حينئذ هو المسؤول . وأما المعنوية فالأولى : كيف الجمع بين هذا وبين قوله تعالى : * ( فوربك لنسئلنهم أجمعين ) * ( الحجر : 92 ) وبينه وبين قوله تعالى : * ( وقفوهم إنهم مسؤولون ) * ؟ ( الصافات : 24 ) نقول : على الوجه المشهور جوابان أحدهما : أن للآخرة مواطن . فلا يسأل في موطن ، ويسأل في موطن وثانيهما : وهو أحسن لا يسأل عن فعله أحد منكم ، ولكن يسأل بقوله : لم فعل الفاعل فلا يسأل سؤال استعلام ، بل يسأل سؤال توبيخ ، وأما على الوجه الثاني فلا يرد السؤال ، فلا حاجة إلى بيان الجمع . والثانية : ما الفائدة في بيان عدم السؤال ؟ نقول : على الوجه المشهور فائدته التوبيخ لهم كقوله تعالى : * ( وجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة ) * ( عبس : 40 ، 41 ) وقوله تعالى : * ( فأما الذين اسودت وجوههم ) * ( آل عمران : 106 ) وعلى الثاني بيان أن لا يؤخذ منهم فدية ، فيكون ترتيب الآيات أحسن ، لأن فيها حينئذ بيان أن لا مفر لهم بقوله : * ( إن استطعتم أن تنفذوا ) * ( الرحمن : 33 ) ثم بيان أن لا مانع عنهم بقوله : * ( فلا تنتصران ) * ( الرحمن : 35 ) ثم بيان أن لا فداء لهم عنهم بقوله : لا يسأل ، وعلى الوجه الأخير ، بيان أن لا شفيع لهم ولا راحم وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن العذاب في الدنيا مؤخر بقوله : * ( سنفرغ لكم ) * ( الرحمن : 31 ) بين أنه في الآخرة لا يؤخر بقدر ما يسأل وفائدة أخرى : وهو أنه تعالى لما بين أن لا مفر لهم بقول : * ( لا تنفذون ) * ( الرحمن : 33 ) ولا ناصر لهم يخلصهم بقوله : * ( فلا تنتصران ) * بين أمراً آخر ، وهو أن يقول المذنب : ربما أنجو في ظل خمول واشتباه حال ، فقال : ولا يخفى أحد من المذنبين بخلاف أمر الدنيا ، فإن الشرذمة القليلة ربما تنجو من العذاب العام بسبب خمولهم . وقال تعالى : * ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ باِلنَّوَاصِى وَالاَْقْدَامِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . اتصال الآيات بما قبلها على الوجه المشهور ، ظاهر لا خفاء فيه ، إذ قوله : * ( يعرف المجرمون ) * كالتفسير وعلى الوجه الثاني من أن المعنى لا يسأل عن ذنبه غيره كيف قال : يعرف ويؤخذ وعلى قولنا : لا يسأل سؤال حط وعفو أيضاً كذلك ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : السيما كالضيزى وأصله سومى من السومة وهو يحتمل وجوهاً أحدها : كي على جباههم ، قال تعالى : * ( يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ) * ( التوبة : 35 ) ثانيها : سواد كما قال تعالى : * ( فأما الذين اسودت وجوههم ) * ( آل عمران : 106 ) وقال تعالى : * ( وجوههم مسودة ) * ( الزمر : 60 ) ثالثها : غبرة وقترة . المسألة الثانية : ما وجه إفراد ( يؤخذ ) مع أن ( المجرمين ) جمع ، وهم المأخوذون ؟ نقول فيه