فخر الدين الرازي

117

تفسير الرازي

قال : إذا أرسل عليهم شواظ من نار ونحاس فلا ينتصران ، فإذا انشقت السماء كيف ينتصران ؟ فيكون الأمر عسيراً ، فيكون كأنه قال : فإذا انشقت السماء يكون الأمر عسيراً في غاية العسر ، ويحتمل أن يقال : فإذا انشقت السماء يلقى المرء فعله ويحاسب حسابه كما قال تعالى : * ( إذا السماء انشقت ) * إلى أن قال : * ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه ) * ( الانشقاق : 1 - 6 ) الآية . المسألة الرابعة : ما المعنى من الانشقاق ؟ نقول : حقيقته ذوبانها وخرابها كما قال تعالى : * ( يوم نطوي السماء ) * ( السماء : 104 ) إشارة إلى خرابها ويحتمل أن يقال : انشقت بالغمام كما قال تعالى : * ( ويوم تشقق السماء بالغمام ) * ( الفرقان : 25 ) وفيه وجوه منها أن قوله : * ( بالغمام ) * أي مع الغمام فيكون مثل ما ذكرنا ههنا من الانفطار والخراب . المسألة الخامسة : ما معنى قوله تعالى : * ( فكانت وردة كالدهان ) * ؟ نقول : المشهور أنها في الحال تكون حمراء يقال : فرس ورد إذا أثبت للفرس الحمرة ، وحجرة وردة أي حمراء اللون . وقد ذكرنا أن لهيب النار يرتفع في السماء فتذوب فتكون كالصفر الذائب حمراء ، ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يقال : وردة للمرة من الورود كالركعة والسجدة والجلسة والقعدة من الركوع والسجود والجلوس والقعود ، وحينئذ الضمير في كانت كما في قوله : * ( إن كانت إلا صيحة واحدة ) * ( يس : 53 ) أي الكائنة أو الداهية وأنث الضمير لتأنيث الظاهر وإن كان شيئاً مذكراً ، فكذا ههنا قال : * ( فكانت وردة ) * واحدة أي الحركة التي بها الانشقاق كانت وردة واحدة ، وتزلزل الكل وخرب دفعة ، والحركة معلومة بالانشقاق لأن المنشق يتحرك ، ويتزلزل ، وقوله تعالى : * ( كالدهان ) * فيه وجهان أحدهما : جمع دهن وثانيهما : أن الدهان هو الأديم الأحمر ، فإن قيل : الأديم الأحمر مناسب للوردة فيكون معناه كانت السماء كالأديم الأحمر ، ولكن ما المناسبة بين الوردة وبين الدهان ؟ نقول : الجواب عنه من وجوه الأول : المراد من الدهان ما هو المراد من قوله تعالى : * ( يوم تكون السماء كالمهل ) * ( المعارج : 8 ) وهو عكر الزيت وبينهما مناسبة ، فإن الورد يطلق على الأسد فيقال : أسد ورد ، فليس الورد هو الأحمر القاني والثاني : أن التشبيه بالدهن ليس في اللون بل في الذوبان والثالث : هو أن الدهن المذاب ينصب انصبابة واحدة ويذوب دفعة والحديد والرصاص لا يذوب غاية الذوبان ، فتكون حركة الدهن بعد الذوبان أسرع من حركة غيره فكأنه قال حركتها تكون وردة واحدة كالدهان المصبوبة صباً لا كالرصاص الذي يذوب منه ألطفه وينتفع به ويبقي الباقي ، وكذلك الحديد والنحاس ، وجمع الدهان لعظمة السماء وكثرة ما يحصل من ذوبانها لاختلاف أجزائها ، فإن الكواكب تخالف غيرها . ثم قال تعالى : * ( فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْالُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه