فخر الدين الرازي
113
تفسير الرازي
أي ثلاث عشرات فالمعشر كأنه محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة . المسألة الثالثة : هذا الخطاب في الدنيا أو في الآخرة ؟ نقول : الظاهر فيه أنه في الآخرة ، فإن الجن والإنس يريدون الفرار من العذاب فيجدون سبعة صفوف من الملائكة محيطين بأقطار السماوات والأرض ، والأولى ما ذكرنا أنه عام بمعنى لا مهرب ولا مخرج لكم عن ملك الله تعالى ، وأينما توليتم فثم ملك الله ، وأينما تكونوا أتاكم حكم الله . المسألة الرابعة : ما الحكمة في تقديم الجن على الإنس ههنا وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى : * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ) * ؟ ( الإسراء : 88 ) نقول : النفوذ من أقطار السماوات والأرض بالجن أليق إن أمكن ، والإتيان بمثل القرآن بالإنس أليق إن أمكن ، فقدم في كل موضع من يظن به القدرة على ذلك . المسألة الخامسة : ما معنى : * ( لا تنفذون إلا بسلطان ) * ؟ نقول : ذلك يحتمل وجوهاً أحدها : أن يكون بياناً بخلاف ما تقدم أي ما تنفذون ولا تنفذون إلا بقوة وليس لكم قوة على ذلك . ثانيها : أن يكون على تقدير وقوع الأمر الأول ، وبيان أن ذلك لا ينفعكم ، وتقديره ما تنفذوا وإن نفذتم ما تنفذون إلا ومعكم سلطان الله ، كما يقول : خرج القوم بأهلهم أي معهم ثالثها : أن المراد من النفوذ ما هو المقصود منه ؟ وذلك لأن نفوذهم إشارة إلى طلب خلاصهم فقال : لا تنفذون من أقطار السماوات لا تتخلصون من العذاب ولا تجدون ما تطلبون من النفوذ وهو الخلاص من العذاب إلا بسلطان من الله يجيركم وإلا فلا مجير لكم ، كما تقول : لا ينفعك البكاء إلا إذا صدقت وتريد به أن الصدق وحده ينفعك ، لا أنك إن صدقت فينفعك البكاء رابعها : أن هذا إشارة إلى تقرير التوحيد ، ووجهه هو كأنه تعالى قال : يا أيها الغافل لا يمكنك أن تخرج بذهنك عن أقطار السماوات والأرض فإذا أنت أبداً تشاهد دليلاً من دلائل الوحدانية ، ثم هب أنك تنفذ من أقطار السماوات والأرض ، فاعلم أنك لا تنفذ إلا بسلطان تجده خارج السماوات والأرض قاطع دال على وحدانيته تعالى والسلطان هو القوة الكاملة . ثم قال تعالى : * ( يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : إن قلنا يا معشر الجن والإنس نداء ينادي به يوم القيامة ، فكأنه تعالى قال : يوم يرسل عليكما شواظ من نار فلا يبقى لكما انتصار