فخر الدين الرازي

108

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ * فَبِأَىِّ ءَالاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) * . وفيه وجهان أحدهما : أنه حال تقديره : يبقى وجه ربك مسؤولاً وهذا منقول معقول ، وفيه إشكال وهو أنه يفضي إلى التناقض لأنه لما قال : * ( ويبقى وجه ربك ) * ( الرحمن : 27 ) كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض ، فكيف يكون في ذلك الوقت مسؤولاً لمن في الأرض ؟ فأما إذا قلنا : الضمير عائد إلى ( الأمور ) الجارية ( في يومنا ) فلا إشكال في هذا الوجه ، وأما على الصحيح فنقول عنه أجوبة أحدها : لما بينا أنه فان نظراً إليه ولا يبقى إلا بإبقاء الله ، فيصح أن يكون الله مسؤولاً ثانيها : أن يكون مسؤولاً معنى لا حقيقة ، لأن الكل إذا فنوا ولم يكن وجود إلا بالله ، فكأن القوم فرضوا سائلين بلسان الحال ثالثها : أن قوله : * ( ويبقى ) * للاستمرار فيبقى ويعيد من كان في الأرض ويكون مسؤولاً والثاني : أنه ابتداء كلام وهو أظهر وفيه مسائل : المسألة الأولى : ماذا يسأله السائلون ؟ فنقول : يحتمل وجوهاً أحدها : أنه سؤال استعطاء فيسأله كل أحد الرحمة وما يحتاج إليه في دينه ودنياه ثانيها : أنه سؤال استعلام أي عنده علم الغيب لا يعلمه إلا هو ، فكل أحد يسأله عن عاقبة أمره وعما فيه صلاحه وفساده . فإن قيل : ليس كل أحد يعترف بجهله وعلم الله نقول : هذا كلام في حقيقة الأمر من جاهل ، فإن كان من جاهل معاند فهو في الوجه الأول أيضاً وارد ، فإن من المعاندين من لا يعترف بقدرة الله فلا يسأله شيئاً بلسانه وإن كان يسأله بلسان حاله لإمكانه ، والوجه الأول إشارة إلى كمال القدرة أي كل أحد عاجز عن تحصيل ما يحتاج إليه . والوجه الثاني إشارة إلى كمال العلم أي كل أحد جاهل بما عند الله من المعلومات ثالثها : أن ذلك سؤال استخراج ، أمر . وقوله : * ( من في السماوات والأرض ) * أي من الملائكة يسألونه كل يوم ويقولون : إلهنا ماذا نفعل وبماذا تأمرنا ، وهذا يصلح جواباً آخر عن الإشكال على قول من قال : يسأله حال لأنه يقول : قال تعالى : * ( كل من عليها فان ) * ( الرحمن : 26 ) ومن عليها تكون الأرض مكانه ومعتمده ولولاها لا يعيش وأما من فيها من الملائكة الأرضية فهم فيها وليسوا عليها ولا تضرهم زلزلتها ، فعندما يفنى من عليها ويبقى الله تعالى لا يفنى هؤلاء في تلك الحال فيسألونه ويقولون : ماذا نفعل فيأمرهم بما يأمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ثم يقول لهم : عندما يشاء موتوا فيموتوا هذا على قول من قال : * ( يسأله ) * حال وعلى الوجه الآخر لا إشكال . المسألة الثانية : هو عائد إلى من ؟ نقول : الظاهر المشهور أنه عائد إلى الله تعالى وعليه اتفاق المفسرين ، ويدل عليه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك الشأن فقال : " يغفر