فخر الدين الرازي
33
تفسير الرازي
قال مقاتل ، ولم يبعث الله نبياً إلى الإنس والجن قبله . المسألة الثانية : قوله * ( أجيبوا داعي الله ) * أمر بإجابته في كل ما أمر به ، فيدخل فيه الأمر بالإيمان إلا أنه أعاد ذكر الإيمان على التعيين ، لأجل أنه أهم الأقسام وأشرفها ، وقد جرت عادة القرآن بأنه يذكر اللفظ العام ، ثم يعطف عليه أشرف أنواعه كقوله * ( وملائكته ورسله وجبريل ) * ( البقرة : 98 ) وقوله * ( وإذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم ومنك ومن نوح ) * ( الأحزاب : 70 ) ولما أمر بالإيمان به ذكر فائدة ذلك الإيمان وهي قوله * ( يغفر لكم من ذنوبكم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال بعضهم كلمة * ( من ) * ههنا زائدة والتقدير : يغفر لكم ذنوبكم ، وقيل بل الفائدة فيه أن كلمة * ( من ) * ههنا لابتداء الغاية ، فكان المعنى أنه يقع ابتداء الغفران بالذنوب ، ثم ينتهي إلى غفران ما صدر عنكم من ترك الأولى والأكمل . المسألة الثانية : اختلفوا في أن الجن هل لهم ثواب أم لا ؟ فقيل لا ثواب لهم إلا النجاة من النار ، ثم يقال لهم كونوا تراباً مثل البهائم ، واحتجوا على صحة هذا المذهب بقوله تعالى : * ( ويجركم من عذاب أليم ) * ( الأحقاف : 31 ) وهو قول أبي حنيفة ، والصحيح أنهم في حكم بني آدم فيستحقون الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية ، وهذا القول قول ابن أبي ليلى ومالك ، وجرت بينه وبين أبي حنيفة في هذا الباب مناظرة ، قال الضحاك يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون ، والدليل على صحة هذا القول أن كل دليل على أن البشر يستحقون الثواب على الطاعة فهو بعينه قائم في حق الجن ، والفرق بين البابين بعيد جداً . واعلم أن ذلك الجني لما أمر قومه بإجابة الرسول والإيمان به حذرهم من تلك تلك الإجابة فقال : * ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) * أي لا ينجي منه مهرب ولا يسبق قضاءه سابق ، ونظيره قوله تعالى : * ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً ) * ( الجن : 12 ) ولا نجد له أيضاً ولياً ولا نصيراً ، ولا دافعاً من دون الله ثم بيّن أنهم في ضلال مبين . قوله تعالى * ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْىِ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا باِلْحَقِّ