فخر الدين الرازي

21

تفسير الرازي

بها على والديه ؟ وإنما يجب على الرجل أن يشكر ربه على ما يصل إليه من النعم ، قلنا كل نعمة وصلت من الله تعالى إلى والديه ، فقد وصل منها أثر إليه فلذلك وصاه الله تعالى على أن يشكر ربه على الأمرين . وأما المطلوب الثاني : من المطالب المذكورة في هذا الدعاء ، فهو قوله * ( وأن أعمل صالحاً ترضاه ) * . واعلم أن الشيء الذي يعتقد أن الإنسان فيه كونه صالحاً على قسمين : أحدهما : الذي يكون صالحاً عنده ويكون صالحاً أيضاً عند الله تعالى والثاني : الذي يظنه صالحاً ولكنه لا يكون صالحاً عند الله تعالى ، فلما قسم الصالح في ظنه إلى هذين القسمين طلب من الله أن يوفقه لأن يأتي بعمل صالح يكون صالحاً عند الله ويكون مرضياً عند الله . والمطلوب الثالث : من المطالب المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : * ( وأصلح لي في ذريتي ) * لأن ذلك من أجل نعم الله على الوالد ، كما قال إبراهيم عليه السلام : * ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) * ( إبراهيم : 35 ) فإن قيل ما معنى * ( في ) * في قوله * ( وأصلح لي في ذريتي ) * ؟ قلنا تقدير الكلام هب لي الصلاح في ذريتي وأوقعه فيهم . واعلم أنه تعالى لما حكى عن ذلك الداعي ، أنه طلب هذه الأشياء الثلاثة ، قال بعد ذلك * ( إني تبت إليك وإني من المسلمين ) * والمراد أن الدعاء لا يصح إلا مع التوبة ، وإلا مع كونه من المسلمين فتبين أني إنما أقدمت على هذا الدعاء بعد أن تبت إليك من الكفر ومن كل قبيح ، وبعد أن دخلت في الإسلام والانقياد لأمر الله تعالى ولقضائه . واعلم أن الذين قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي بكر ، قالوا إن أبا بكر أسلم والداه ، ولم يتفق لأحد من الصحابة والمهاجرين إسلام الأبوين إلا له ، فأبوه أبو قحافة عثمان بن عمرو وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو ، وقوله * ( وأن أعمل صالحاً ترضاه ) * قال ابن عباس فأجابه الله إليه فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله منهم بلال وعامر بن فهيرة ولم يترك شيئاً من الخير إلا أعانه الله عليه ، وقوله تعالى : * ( وأصلح لي في ذريتي ) * قال ابن عباس لم يبق لأبي بكر ولد من الذكور والإناث إلا وقد آمنوا ، ولم يتفق لأحد من الصحابة أن أسلم أبواه وجميع أولاده الذكور والإناث إلا لأبي بكر . ثم قال تعالى : * ( أولئك ) * أي أهل هذا القول * ( الذين نتقبل عنهم ) * قرىء بضم الياء على بناء الفعل للمفعول وقرئ بالنون المفتوحة ، وكذلك نتجاوز وكلاهما في المعنى واحد ، لأن الفعل وإن كان مبنياً للمفعول فمعلوم أنه لله سبحانه وتعالى ، فهو كقوله * ( يغفر لهم ما قد سلف ) * ( الأنفال : 38 ) فبيّن تعالى بقوله * ( أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ) * أن من تقدم ذكره ممن يدعو بهذا الدعاء ، ويسلك هذه الطريقة التي تقدم ذكرها * ( نتقبل عنهم ) * والتقبل من الله هو إيجاب الثواب له