فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين . المسألة الثانية : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً ، فإن قوله تعالى : * ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) * صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي سبب نزوله وجوه : الأول : أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود ، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني : قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار ، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاء ألبهم الثالث : قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر ، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً ، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة . الرابع : قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم . المسألة الثانية : اللام في قوله تعالى : * ( للذين آمنوا ) * ذكروا فيه وجهين : الأول : أن يكون المعنى : وقال الذين كفروا للذين آمنوا ، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو ، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * ( يونس : 22 ) الثاني : قال صاحب " الكشاف " * ( للذين آمنوا ) * لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ، وعندي فيه وجه الثالث : وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين ، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا . واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله * ( وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ) * والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً ، فلا بد من عامل في الظرف في قوله * ( وإذ لم يهتدوا به ) * ومن متعلق لقوله * ( فسيقولون ) * وغير مستقيم أن يكون * ( فسيقولون ) * هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال ، فما وجه هذا الكلام ؟ وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير * ( وإذ لم يهتدوا به ) * ظهر عنادهم * ( فسيقولون هذا إفك قديم ) * . ثم قال تعالى : * ( ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة ) * كتاب موسى مبتدأ ، ومن قبله ظرف