فخر الدين الرازي

9

تفسير الرازي

والنصارى لا يجوز ، واعلم أنا لو أجرينا هذه الآية على عمومها كما ذكره القاضي لزمه تكفير الأمة ، لأنك لا ترى فرقة من فرق الأمة إلا وقد حصل بينهم اختلاف شديد في صفات الله تعالى ، ألا ترى أنه حصل الاختلاف بين أبي هاشم وأهل السنة في مسائل كثيرة من صفات الله تعالى ، ويلزم على قانون قول القاضي تكفير أحدهما ، فثبت أنه يجب أن يحمل الكذب المذكور في الآية على ما إذا قصد الإخبار عن الشيء ، مع أنه يعلم أنه كاذب فيما يقول ، ومثال هذا كفار قريش فإنهم كانوا يصفون تلك الأصنام بالإلهية مع أنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنها جمادات ، وكانوا يقولون إن الله تعالى حرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، مع أنهم كانوا ينكرون القول بأن الله حرم كذا وأباح كذا ، وكان قائله عالماً بأنه كذب وإذا كان كذلك فإلحاق مثل هذا الوعيد بهذا الجاهل الكذاب الضال المضل ( يكون ) مناسباً ، أما من لم يقصد إلا الحق والصدق لكنه أخطأ يبعد إلحاق هذا الوعيد به . البحث الثاني : الكلام في كيفية السواد الحاصل في وجوههم ، والأقرب أنه سواد مخالف لسائر أنواع السواد ، وهو سواد يدل على الجهل بالله والكذب على الله ، وأقول إن الجهل ظلمة ، والظلمة تتخيل كأنها بواد فسواد قلوبهم أوجب سواد وجوههم ، وتحت هذا الكلام أسرار عميقة من مباحث أحوال القيامة ، فلما ذكر الله هذا الوعيد أردفه بالوعد فقال : * ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) * الآية ، قال القاضي المراد به من اتقى كل الكبائر إذ لا يوصف بالاتقاء المطلق إلا من كان هذا حاله ، فيقال له : أمرك عجيب جداً فإنك قلت لما تقدم قوله تعالى : * ( لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) * ( الزمر : 57 ) وجب أن يحمل قوله ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) * على الذين قالوا * ( لو أن الله هداني ) * فعلى هذا القانون لما تقدم قوله * ( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) * . ثم قال تعالى بعده : * ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) * وجب أن يكون المراد هم الذين اتقوا ذلك الكذب ، فهذا يقتضي أن كل من لم يتصف بذلك الكذب أنته يدخل تحت ذلك الوعد المذكور بقوله * ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) * وأن يكون قولك * ( الذين اتقوا ) * المراد منه من اتقى كل الكبائر فاسداً ، فثبت أن التعصب يحمل الرجل العاقل على الكلمات المتناقضة ، بل الحق أن تقول المتقي هو الآتي باللاتقاء والآتي بالاتقاء في صورة واحدة آت بمسمى الاتقاء ، وبهذا الحرف قلنا الأمر المطلق لا يفيد التكرار ، ثم ذلك الاتقاء غير مذكور بعينه في هذه اللفظة فوجب حمله على الاتقاء عن الشيء الذي سبق ذكره وهذا هو الكذب على الله تعالى ، فثبت أن ظاهر الآية يقتضي أن من اتقى عن تلك الصفة وجب دخوله تحت هذا الوعد الكريم . ثم قال تعالى : * ( بمفازتهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بمفازاتهم على الجمع ، والباقون بمفازتهم على التوحيد ، وحكى الواحدي عن الفرّاء أنه قال : كلاهما صواب ، إذ يقال في الكلام