فخر الدين الرازي

7

تفسير الرازي

فيه معنى النفي ، لأن معنى قوله * ( لو أن الله هداني ) * أنه ما هداني ، فلا جرم حسن ذكر لفظة * ( بلى ) * بعده . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمه الله : القراءة المشهورة واقعة على التذكير في قوله * ( بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) * لأن النفس تقع على الذكر والأنثى فخوطب بالذكر ، وروى الربيع بن أنس عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ على التأنيث ، قال أبو عبيد لو صح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان حجة لا يجوز لأحد تركها ولكنه ليس بمسند ، لأن الربيع لم يدرك أم سلمة ، وأما وجه التأنيث فهو أنه ذكر النفس ولفظ النفس ورد في القرآن في أكثر الأمر على التأنيث بقوله * ( سولت لي نفسي ) * ( طه : 96 ) و * ( إن النفس لأمارة بالسوء ) * ( يوسف : 53 ) و * ( يا أيتها النفس المطمئنة ) * ( الفجر : 27 ) . المسألة الثالثة : قال القاضي هذه الآيات دالة على صحة القول بالقدر من وجوه الأول : أنه لا يقال : فلان أسرف على نفسه على وجه الذم إلا لما يكون من قبله ، وذلك يدل على أن أفعال العباد تحصل من قبلهم لا من قبل الله تعالى ، وثانيها : أن طلب الغفران والرجاء في ذلك أو اليأس لا يحسن إلا إذا كان الفعل فعل العبد ، وثالثها : إضافة الإنابة والإسلام إليه من قبل أن يأتيه العذاب وذلك لا يكون إلا مع تمكنه من محاولتهما مع نزول العذاب ، ومذهبهم أن الكافر لم يتمكن قط من ذلك ورابعها : قوله تعالى : * ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) * وذلك لا يتم إلا بما هو المختار للاتباع وخامسها : ذمه لهم على أنهم لا يشعرون بما يوجب العذاب وذلك لا يصح إلا مع التمكن من الفعل ، وسادسها : قولهم * ( يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله ) * ولا يتحسر المرء على أمر سبق منه إلا وكان يصح منه أن يفعله ، وسابعها : قوله تعالى : * ( على ما فرطت في جنب الله ) * ومن لا يقدر على الإيمان كما يقول القوم ولا يكون الإيمان من فعله لا يكون مفرطاً ، وثامنها : ذمه لهم بأنهم من الساخرين ، وذلك لا يتم إلا أن تكون السخرية فعلهم وكان يصح منهم أن لا يفعلوه ، وتاسعها : قوله * ( لو أن الله هداني ) * أي مكنني * ( لكنت من المتقين ) * وعلى هذا قولهم إذا لم يقدر على التقوى فكيف يصح ذلك منه ، وعاشرها : قوله * ( لو أن لي كرة فأكون من المحسنين ) * وعلى قولهم لو رده الله أبداً كرة بعد كرة ، وليس فيه إلا قدرة الكفر لم يصح أن يكون محسناً ، والحادي عشر : قوله تعالى موبخاً لهم * ( بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) * فبيّن تعالى أن الحجة عليهم لله لأن الحجة لهم على الله ، ولو أن الأمر كما قالوا لكان لهم أن يقولوا : قد جاءتنا الآيات ولكنك خلقت فينا التكذيب بها ولم تقدرنا على التصديق بها . والثاني عشر : أنه تعالى وصفهم بالتكذيب والاستكبار والكفر على وجه الذم ولو لم تكن هذه الأشياء أفعالاً لهم لما صح الكلام ، والجواب عنه أن هذه الوجوه معارضة ، بما أن القرآن مملوء من أن الله تعالى يضل ويمنع ويصدر