فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

الذين يمشون على الأرض هوناً ( الفرقان : 53 ) وقال : * ( عيناً يشرب بها عباد الله ) * ( الإنسان : 6 ) ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم ، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين ، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله * ( يا عبادي ) * مختص بالمؤمنين ، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله ، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح ، فثبت أن قوله * ( يا عبادي ) * لا يليق إلا بالمؤمنين ، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال : * ( الذين أسرفوا على أنفسهم ) * وهذا عام في حق جميع المسرفين . ثم قال تعالى : * ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) * وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين ، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها ، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً ، وأنتم لا تقولون به ، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به ، والذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية ، فسقط الاستدلال ، وأيضاً إنه تعالى قال عقيب هذه الآية * ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ) * إلى قوله * ( بغتة وأنتم لا تشعرون ) * ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعاً لما أمر عقيبه بالتوبة ، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون ، وأيضاً قال : * ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ) * ولو كانت الذنوب كلها مغفورة ، فأي حاجة به إلى أن يقول : * ( يا حسرتا على فرطت في جنب الله ) * ؟ وأيضاً فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها ، وذلك لا يليق بحكمة الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب البتة ، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله ، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة ، فمعنى قوله * ( إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) * أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به ، قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه ، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع ، وهي للاستقبال ، وعندنا أن الله تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعاً ، إما قبل الدخول في نار جهنم ، وإما بعد الدخول فيها ، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا . أما قوله لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة ، فالجواب أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم ، فإنا لا نقطع بإزالة العقاب بالكلية ، بل نقول لعله يعفو مطلقاً ، ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك ، وبهذا الحرف يخرج الجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم . المسألة الثانية : اعلم أن هذه الآية تدل على الرحمة من وجوه : الأول : أنه سمى