فخر الدين الرازي
14
تفسير الرازي
الاَْرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الاَْرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِىءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ) * . واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ، ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد قولهم وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد شيئاً آخر سواه ، بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له المعبودية ، فقال : * ( وما قدروا الله حق قدره ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : احتج بعض الناس بهذه الآية على أن الخلق لا يعرفون حقيقة الله ، قالوا لأن قوله * ( وما قدروا الله حق قدره ) * يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدرن وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام . المسألة الثانية : قوله * ( وما قدروا الله حق قدره ) * يفيد هذا المعنى إلا أنا ذكرنا أن هذا صفة حال الكفار فلا يلزم من وصف الكفار بأنهم ما قدروا الله حق قدره وصف المؤمنين بذلك ، فسقط هذا الكلام . المسألة الثانية : قوله * ( وما قدروا الله حق قدره ) * أي ما عظموه حق تعظيمه ، وهذه الآية مذكورة في سور ثلاث ، في سورة الأنعام ، وفي سورة الحج ، وفي هذه السورة . واعلم أنه تعالى لما بين أنهم ما عظموه تعظيماً لائقاً به أردفه بما يدل على كمال عظمته ونهاية جلالته ، فقال : * ( والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) * قال القفال : * ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ) * كقول القائل وما قدرتني حق قدري وأنا الذي فعلت كذا وكذا ، أي لما عرفت أن حالي وصفتي هذا الذي ذكرت ، فوجب أن لا تحطني عن قدري ومنزلتي ، ونظيره قوله تعالى : * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) * ( البقرة : 28 ) أي كيف تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه فكذا ههنا ، والمعنى * ( وما قدروا الله حق قدره ) * إذ زعموا أن له شركاء وأنه لا يقدر على إحياء الموتى مع أن الأرض والسماوات في قبضته وقدرته ، قال صاحب " الكشاف " الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته