فخر الدين الرازي

12

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر ، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله . المسألة الثانية : أورد صاحب " الكشاف " سؤالاً ، وهو أنه بم اتصل قوله * ( والذين كفروا ) * ؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى : * ( وينجي الله الذين اتقوا ) * ( الزمر : 61 ) أي ينجي الله المتقين بمفازتهم * ( والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) * واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها ، وأن له مقاليد السماوات والأرض . وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول : أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني : أن قوله * ( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ) * جملة فعلية ، وقوله * ( والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) * جملة اسمية ، وعطف الجملة الإسمية على الجملة الفعلية لا يجوز ، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية ، وهو كونه خالقاً للأشياء كلها ، وكونه مالكاً لمقاليد السماوات والأرض بأسرها ، قال بعده : والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون . ثم قال تعالى : * ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام ، قال الواحدي وهو الأصل ، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية ، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة ، على حذل إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة . المسألة الثانية : * ( أفغير الله ) * منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض ، ومعناه : أفغير الله أعبد بأمركم ؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك ، وأقول نظير هذه الآية ، قوله تعالى : * ( قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 14 ) وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل . المسألة الثالثة : إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء وبكونه مالكاً لمقاليد السماوات والأرض ، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع ، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة ، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة ، فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيد عليه ، فلهذا السبب قال : * ( أيها الجاهلون ) * ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع . ثم قال تعالى : * ( ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ، ولتكونن من الخاسرين ) * واعلم أن الكلام التام مع الدلائل القوية ، والجواب عن الشبهات في مسألة الإحباط قد ذكرناه في سورة البقرة فلا نعيده ، قال صاحب " الكشاف " قرىء * ( ليحبطن عملك ) * على