فخر الدين الرازي

96

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) * لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقال : إن الإنسان كان ظلوماً جهولاً ، والجهل من الأعذار ، فقال الله ذلك عند عدم الإنذار ، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح الرسل ، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ما ينبغي أن تفعلوه وما لا ينبغي ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في اللغات التي في * ( أعهد ) * وهي كثيرة الأولى : كسر همزة اعهد وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم الثانية : كسر الهاء من باب ضرب يضرب الثالثة : قلب العين جيما ألم أجهد وذلك في كل عين بعدها هاء الرابعة : إدغام الهاء في الحاء بعد القلب فيقال ألم أحد ، وقد سمع قوم يقولون دحاء محا ، أي دعها معها . المسألة الثانية : في معنى أعهد وجوه أقربها وأقربها ألم أوص إليكم . المسألة الثالثة : في هذا العهد وجوه الأول : أنه هو العهد الذي كان مع أبينا آدم بقوله : * ( وعهدنا إلى آدم ) * ( طه : 115 ) الثاني : أنه هو الذي كان مع ذرية آدم بقوله تعالى : * ( ألست بربكم قالوا بلى ) * ( الأعراف : 172 ) فإن ذلك يقتضي أن لا نعبد غير الله الثالث : هو الأقوى ، أن ذلك كان مع كل قوم على لسان رسول ، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر ، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته . المسألة الرابعة : قوله : * ( لا تعبدوا الشيطان ) * معناه لا تطيعوه ، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب ، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة ، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) * ( النساء : 59 ) لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله ، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له ، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله ، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله ، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه ، فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن ، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبراً ولا نرى منه أثراً ؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به ، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك ، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك ، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء ، فانظر إن كان ذلك موافقاً لأمر الله أوليس موافقاً ، فإن لم يكن موافقاً فذلك الشخص مع الشيطان يأمرك بما يأمرك به ، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان ، وإن دعتك نفسك إلى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أوليس كذلك ، فإن لم يكن مأذوناً فيه فنفسك في الشيطان ، أو معها الشيطان يدعوك ، فإن اتبعته فقد عبدته ، ثم إن الشيطان يأمر أولاً بمخالفة