فخر الدين الرازي

91

تفسير الرازي

المسألة الثانية : ما المقتضى لذكر فاء التعقيب ؟ نقول لما قال : * ( محضرون ) * ( يس : 53 ) مجموعون والجمع للفصل والحساب ، فكأنه تعالى قال إذا جمعوا لم يجمعوا إلا للفصل بالعدل ، فلا ظلم عند الجمع للعدل ، فصار عدم الظلم مترتباً على الإحضار للعدل ، ولهذا يقول القائل للوالي أو للقاضي : جلست للعدل فلا تظلم ، أي ذلك يقتضي هذا ويستعقبه . المسألة الثالثة : لا يجزون عين ما كانوا يعلمون ، بل يجزون بما كانوا أو على ما كانوا وقوله : * ( ولا تجزون إلا ما كنتم تعلمون ) * يدل على أن الجزاء بعين العمل ، لا يقال جزى يتعدى بنفسه وبالباء ، يقال جزيته خيراً وجزيته بخير ، لأن ذلك ليس من هذا لأنك إذا قلت جزيته بخير لا يكون الخير مفعولك ، بل تكون الباء للمقابلة والسببية كأنك تقول جزيته جزاء بسبب ما فعل ، فنقول الجواب عنه من وجهين : أحدهما : أن يكون ذلك إشارة على وجه المبالغة إلى عدم الزيادة وذلك لأن الشيء لا يزيد على عينه ، فنقول قوله تعالى : تجزون بما كانوا يعملون في المساواة كأنه عين ما علموا يقال فلان يجاوبني حرفاً بحرف أي لا يترك شيئاً ، وهذا يوجب اليأس العظيم الثاني : هو أن ما غير راجع إلى الخصوص ، وإنما هي للجنس تقديره ولا تجزون إلا جنس العمل أي إن كان حسنة فحسنة ، وإن كانت سيئة فسيئة فتجزون ما تعملون من السيئة والحسنة ، وهذا كقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) . ثم بين حال المحسن وقال : * ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظِلَالٍ عَلَى الاَْرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ) * وقوله : * ( في شغل ) * يحتمل وجوهاً : أحدهما : في شغل عن هول اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب ، فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب ، وقوله : * ( فاكهون ) * يكون متمماً لبيان سلامتهم فالله لو قال : في شغل جاز أن يقال هم في شغل عظم من التفكر في اليوم وأهواله ، فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره ويخبر بخسران وقع في ماله ، يقول أنا مشغول من هذا بأهم منه ، فقال : * ( فاكهون ) * أي شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور وثانيها : أن يكون ذلك بياناً لحالهم ولا يريد أنهم شغلوا عن شيء يل يكون معناه هم في عمل ، ثم بين عملهم بأنه ليس بشاق ، بل هو ملذ محبوب وثالثها : في شغل عما توقعوه فإنهم تصوروا في الدنيا أموراً وقالوا نحن إذا دخلنا الجنة لا نطلب إلا كذا وكذا ، فرأوا ما لم يخطر ببالهم فاشتغلوا به ، وفيه وجوه : غير هذه ضعيفة أحدها : قيل افتضاض الأبكار وهذا ما ذكرناه في الوجه الثالث أن الإنسان