فخر الدين الرازي

10

تفسير الرازي

في دلائل الأنفس ، وقد ذكرنا تفسيره مراراً وذكرنا ما قيل من أن قوله : * ( من تراب ) * إشارة إلى خلق آدم * ( ثم من نطفة ) * إشارة إلى خلق أولاده ، وبينا أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل * ( خلقكم ) * خطاب مع الناس وهم أولاد آدم كلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء ، والغذاء بالآخرة ينتهي إلى الماء والتراب ، فهو من تراب صار نطفة . وقوله : * ( وما تحمل من أنثى ولا تضع ) * إشارة إلى كمال العمل ، فإن ما في الأرحام قبل الانخلاق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد ، كيف والأم الحاملة لا تعلم منه شيئاً ، فلما ذكر بقوله : * ( خلقكم من تراب ) * كمال قدرته بين بقوله : * ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) * كمال علمه ثم بين نفوذ إرادته بقوله : * ( وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ) * فبين أنه هو القادر العالم المريد والأصنام لا قدرة لها ولا علم ولا إرادة ، فكيف يستحق شيء منها العبادة ، وقوله : * ( إن ذلك على الله يسير ) * أي الخلق من التراب ويحتمل أن يكون المراد التعمير والنقصان على الله يسير ، ويحتمل أن يكون المراد أن العلم بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله يسير والأول أشبه فإن اليسير استعماله في الفعل أليق . ثم قال تعالى * ( وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * . ثم قال تعالى : * ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ، ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشركون ) * . قال أكثر المفسرين : إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن ، فالإيمان لا يشتبه بالكفر في الحسن والنفع كما لا يشتبه البحران العذب الفرات والملح الأجاج . ثم على هذا ، فقوله : * ( ومن كل تأكلون لحماً طرياً ) * لبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاج يشارك الفرات في خير ونفع إذا اللحم الطري يوجد فيهما والحلية توجد منهما والفلك تجري فهيما ، ولا نفع في الكفر والكافر ، وهذا على نسق قوله تعالى : * ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) * وقوله : * ( كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) * والأظهر أن المراد منه ذكر دليل آخر على قدر الله وذلك من حيث إن البحرين يستويان في الصورة ويختلفان في الماء ، فإن أحدهما عذب فرات والآخر ملح