فخر الدين الرازي

87

تفسير الرازي

هولها وعظمها أحدها : التنكير يقال لفلان مال أي كثير وله قلب أي جريء وثانيها : واحدة أي لا يحتاج معها إلى ثانية وثالثها : تأخذهم أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا شك أن مثلها لا يكون إلا عظيماً . وقوله : * ( تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ) * ، مما يعظم به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة ، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيحاف أعظم ، ويحتمل أن يقال : * ( يخصمون ) * في البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلاً فيكونون غافلين عنه بخلاف من يعتقد أنه يكون فيتهيأ له وينتظر وقوعه فإنه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله تعالى : * ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ) * ( الزمر : 68 ) ممن اعتقد وقوعها فاستعد لها ، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقاً وعلم أن سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الرعد ترى الشائم العالم ثابتاً والغافل الذاهل مغشياً عليه ، ثم بين شدة الأخذ وهي بحيث لا تمهلهم إلى أن يوصوا . وفيه أمور مبينة للشدة أحدها : عدم الاستطاعة فإن قول القائل فلأن في هذا الحال لا يوصي دون قوله لا يستطيع التوصية لأن من لا يوصي قد يستطيعها الثاني : التوصية وهي بالقول والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال : لا يستطيعون كلمة فكيف فعلاً يحتاج إلى زمان طويل من أداء الواجبات ورد المظالم الثالث : اختيار التوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى التوصية أمس الرابع : التنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية ما ولو كانت بكلمة يسيرة ، ولأن التوصية قد تحصل بالإشارة فالعاجز عنها عاجز من غيرها الخامس : قوله : * ( ولا إلى أهلهم يرجعون ) * بيان لشدة الحاجة إلى التوصية لأن من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصية لعدم الحاجة إليها ، وأما من يقطع بأنه لا وصول له إلى أهله فلا بد له من التوصية ، فإذا لم يستطع مع الحاجة دل على غاية الشدة . وفي قوله : * ( ولا إلى أهلهم يرجعون ) * وجهان أحدهما : ما ذكرنا أنهم يقطعون بأنهم لا يمهلون إلى أن يجتمعوا بأهالهيم وذلك يوجب الحاجة إلى التوصية وثانيهما : أنهم إلى أهلم لا يرجعون ، يعني يموتون ولا رجوع لهم إلى الدنيا ، ومن يسافر سفراً ويعلم أنه لا رجوع له من ذلك السفر ولا اجتماع له بأهله مرة أخرى يأتي بالوصية . ثم بين ما بعده بالصيحة الأول فقال : * ( وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الاَْجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) *