فخر الدين الرازي

63

تفسير الرازي

وههنا بحث لغوي : وهو أن المفعول قد يرفض رأساً إذا كان الغرض غير متعلق به يقال إن فلاناً يعطي ويمنع ولا يكون هناك شيء معطي إذ المقصود أن له المنع والإعطاء ، ورفض المفعول كثير وما نحن فيه رفض الفاعل وهو قليل ، والوجه فيه ما ذكرنا ، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت الثاني : أن قائل يا حسرة هو الله على الاستعارة تعظيماً للأمر وتهويلاً له وحينئذٍ يكون كالألفاظ التي وردت في حق الله كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني ، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة ، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أن مخبر عن وقوع الندامة ، ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال : * ( يا حسرة ) * بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء ، فإن النداء مجاز والمراد الإخبار الثالث : المتلهفون من المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل كان يقول : اللهم أهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال : يا ليت قومي يعلمون ، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه . المسألة الثالثة : قرىء * ( يا حسرة ) * بالتنوين ، و ( يا حسرة العباد ) بالإضافة من غير كلمة على ، وقرئ يا حسرة علي بالهاء إجراء للوصل مجرى الوقف . المسألة الرابعة : من المراد بالعباد ؟ نقول فيه وجوه أحدها : الرسل الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم وثانيها : هم قوم حبيب وثالثها : كل من كفر وأصر واستكبر وعلى الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله : * ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) * ( الحجر : 42 ) وقوله : * ( يا عبادي الذين أسرفوا ) * ( الزمر : 53 ) وعلى الثاني فإطلاق العباد على الكفار ، وفرق بين العبد مطلقاً وبين المضاف إلى الله تعالى فإنه بالإضافة إلى الشريف تكسو المضاف شرفاً تقول بيت الله فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت ، وعلى هذا فقوله تعالى : * ( وعباد الرحمن ) * ( الفرقان : 63 ) من قبيل قوله : * ( إن عبادي ) * ( الحجر : 42 ) وكذلك * ( عباد الله ) * ( الصافات : 74 ) . ثم بين الله تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى : * ( ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤون ) * وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية ، وأعرفه نفسه ، وطلب منه أمراً هيناً فكذبه ولم يجبه إلا ما دعاه ، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك ، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه ، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز الله إياهم وجعلهم نوابه كما قال : * ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) * ( آل عمران : 31 ) وجاؤا وعرفوا أنفسهم ولم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس ، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند الله لهم ، وكان ما يدعون إليه أمراً هيناً نفعه عائد إليهم من عبادة الله وما كانوا يسألون عليه أجراً ، فعند ذلك تكون الندامة الشديدة ، وكيف لا وهم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزأوا واستخفوا واستهانوا