فخر الدين الرازي

285

تفسير الرازي

وأن لا يعبد الأوثان التي هي جمادات لا شعور لها ولا إدراك ، واعلم أن الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً ، فقالوا نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين ، فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله فأجاب الله تعالى بأن قال : * ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء ، قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ) * وتقرير الجواب أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها والأول : باطل لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها والثاني : باطل لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله ، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة ، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره وهذا هو المراد من قوله تعالى : * ( قل لله الشفاعة جميعاً ) * ثم بين أنه لا ملك لأحد غير الله بقوله : * ( له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ) * ومنهم من تمسك في نفي الشفاعة مطلقاً بقوله تعالى : * ( قل لله الشفاعة جميعاً ) * وهذا ضعيف لأنا نسلم أنه سبحانه ما لم يأذن في الشفاعة لم يقدر أحد على الشفاعة ، فإن قيل قوله : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) * فيه سؤال لأن هذا يدل على أن المتوفى هو الله فقط ، وتأكد هذا بقوله : * ( الذي خلق الموت والحياة ) * ( الملك : 2 ) وبقوله : * ( ربي الذي يحيي ويميت ) * ( البقرة : 258 ) وبقوله : * ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ) * ( البقرة : 28 ) ثم إن الله تعالى قال في آية أخرى : * ( قل يتوفاكم ملك الموت ) * ( السجدة : 11 ) وقال في آية ثالثة : * ( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ) * وجوابه أن المتوفى في الحقيقة هو الله ، إلا أنه تعالى فوض في عالم الأسباب كل نوع من أنواع الأعمال إلى ملك من الملائكة ، ففوض قبض الأرواح إلى ملك الموت وهو رئيس وتحته أتباع وخدم فأضيف التوفي في هذه الآية إلى الله تعالى بالإضافة الحقيقية ، وفي الآية الثانية إلى ملك الموت لأنه هو الرئيس في هذا العمل وإلى سائر الملائكة لأنهم هم الأتباع لملك الموت والله أعلم . قوله تعالى * ( وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ شْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاَْخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ