فخر الدين الرازي
281
تفسير الرازي
وقوله : * ( ليكفر الله عنهم ) * يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ، فقيل المراد أنهم إذا صدقوا الأنبياء عليهم فيما أوتوا فإن الله يكفر عنهم أسوأ أعمالهم وهو الكفر السابق على ذلك الإيمان ، ويوصل إليهم أحسن أنواع الثواب ، وقال مقاتل يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ ، واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المرجئة وهم الذين يقولون لا يضر شيء من المعاصي مع الإيمان ، كما لا ينفع شيء من الطاعات مع الكفر ، واحتج بهذه الآية فقال : إنها تدل على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ، ولا جوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق ، لأن الظاهر من الآية يدل على أن التكفير إنما حصل في حال ما وصفهم الله بالتقوى وهو التقوى من الشرك ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي يأتي بها بعد الإيمان ، فتكون هذه الآية تنصيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم أسوأ ما يأتون به وذلك هو الكبائر . الحكم الرابع : أنه جرت العادة أن المبطلين يخوفون المحقين بالتخويفات الكثيرة ، فحسم الله مادة هذه الشبهة بقوله تعالى : * ( أليس الله بكاف عبده ) * وذكره بلفظ الاستفهام والمراد تقرير ذلك في النفوس والأمر كذلك ، لأنه ثبت أنه عالم بجميع المعلومات قادر على كل الممكنات غني عن كل الحاجات فهو تعالى عالم حاجات العباد وقادر على دفعها وإبدالها بالخيرات والراحات ، وهو ليس بخيلاً ولا محتاجاً حتى يمنعه بخله وحاجته عن إعطاء ذلك المراد ، وإذا ثبت هذا كان الظاهر أنه سبحانه يدفع الآفات ويزيل البليات ويوصل إليه كل المرادات ، فلهذا قال : * ( أليس الله بكاف عبده ) * ولما ذكر الله المقدمة رتب عليها النتيجة المطلوبة فقال : * ( ويخوفونك بالذين من دونه ) * يعني لما ثبت أن الله كاف عبده كان التخويف بغير الله عبثاً وباطلاً ، قرأ أكثر القراء عبده بلفظ الواحد وهو اختيار أبي عبيدة لأنه قال له : * ( ويخوفونك ) * روي أن قريشاً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقرأ جماعة : * ( عباده ) * بلفظ الجميع قيل المراد بالعباد الأنبياء فإن نوحاً كفاه الغرق ، وإبراهيم النار ، ويونس بالإنجاء مما وقع له ، فهو تعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك ، وقيل أمم الأنبياء قصدوهم بالسوء لقوله تعالى : * ( وهمت كل أمة برسولهم ) * ( غافر : 5 ) وكفاهم الله شر من عاداهم . واعلم أنه تعالى لما أطنب في شرح الوعيد والوعد والترهيب والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي الفصل الحق فقال : * ( ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل ) * يعني هذا الفضل لا ينفع والبينات إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق وقوله : * ( أليس الله بعزيز ذي انتقام ) * تهديد للكفار . واعلم أن أصحابنا يتمسكون في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات بقوله : * ( ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل ) * والمباحث فيه من الجانبين معلومة والمعتزلة يتمسكون