فخر الدين الرازي
268
تفسير الرازي
المسألة الثانية : كون القرآن أحسن الحديث ، إما أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه أو بحسب معناه . القسم الأول : أن يكون أحسن الحديث بحسب لفظه وذلك من وجهين : الأول : أن يكون ذلك الحسن لأجل الفصاحة والجزالة الثاني : أن يكون بحسب النظم في الأسلوب ، وذلك لأن القرآن ليس من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب . ولا من جنس الرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل ، مع أن كل ذي طبع سليم يستطيبه ويستلذه . القسم الثاني : أن يكون كونه أحسن الحديث لأجل المعنى ، وفيه وجوه : الأول : أنه كتاب منزه عن التناقض ، كما قال تعالى : * ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) * ( النساء : 82 ) ومثل هذا الكتاب إذا خلا عن التناقض كان ذلك من المعجزات الوجه الثاني : اشتماله على الغيوب الكثيرة في الماضي والمستقبل الوجه الثالث : أن العلوم الموجودة فيه كثيرة جداً . وضبط هذه العلوم أن نقول : العلوم النافعة هي ما ذكره الله في كتابه في قوله : * ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) * ( البقرة : 285 ) فهذا أحسن ضبط يمكن ذكره للعلوم النافعة . أما القسم الأول : وهو الإيمان بالله ، فاعلم أنه يشتمل على خمسة أقسام : معرفة الذات والصفات والأفعال والأحكام والأسماء . أما معرفة الذات فهي أن يعلم وجود الله وقدمه وبقاءه . وأما معرفة الصفات فهي نوعان : أحدهما : ما يجب تنزيهه عنه ، وهو كونه جوهراً ومركباً من الأعضاء والأجزاء وكونه مختصاً بحيز وجهة ، ويجب أن يعلم أن الألفاظ الدالة على التنزيه أربعة : ليس ولم وما ولا ، وهذه الأربعة المذكورة ، مذكورة في كتاب الله تعالى لبيان التنزيه . أما كلمة ليس ، فقوله : * ( ليس كمثله شيء ) * ( الشورى : 11 ) وأما كلمة لم ، فقوله : * ( لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفواً أحد ) * ( الإخلاص : 3 ، 4 ) وأما كلمة ما ، فقوله : * ( وما كان ربك نسياً ) * ( مريم : 64 ) ، * ( ما كان لله أن يتخذ من ولد ) * ( مريم : 35 ) وأما كلمة لا ، فقوله تعالى : * ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) * ( البقرة : 255 ) ، * ( وهو يطعم ولا يطعم ) * ( الأنعام : 14 ) ، * ( وهو يجير ولا يجار عليه ) * ( المؤمنون : 88 ) ، وقوله في سبعة وثلاثين موضعاً من القرآن * ( لا إله إلا الله ) * ( محمد : 19 ) . وأما النوع الثاني : وهي الصفات التي يجب كونه موصوفاً بها من القرآن فأولها العلم بالله ، والعلم بكونه محدثاً خالقاً ، قال تعالى : * ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 1 ) وثانيها : العلم بكونه قادراً ، قال تعالى في أول سورة القيامة * ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) * ( القيامة : 4 ) وقال في آخر هذه السورة * ( أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ) * ( القيامة : 40 ) وثالثها : العلم بكونه تعالى عالماً ، قال تعالى : * ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ) * ( الحشر : 22 ) ورابعها : العلم بكونه عالماً بكل المعلومات ، قال تعالى : * ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) * ( الأنعام : 59 ) وقوله تعالى : * ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) * ( الرعد : 8 ) وخامسها : العلم