فخر الدين الرازي
262
تفسير الرازي
أن المراد منه الرجل يجلس مع القوم ويسمع الحديث فيه محاسن ومساوئ ، فيحدث بأحسن ما سمع ويترك ما سوه . واعلم أنه تعالى حكم على الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه بأن قال ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) وفى ذلك دقيقة عجيبة ، وهي أن حصول الهداية في العقل والروح أمر حادث ، ولا بدله من فاعل وقابل . أما الفاعل فهو الله سبحانه وهو المراد من قوله ( أولئك الذين هداهم الله ) وأما القابل فإليه الإشارة بقوله ( وأولئك هم أولوا الألباب ) فإن الانسان ما لم يكن عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف الحقية في قلبه . وإنما قلنا إن الفاعل لهذه الهداية هو الله ، وذلك لان جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل ، وإذا كان الشئ قابلا للضدين كانت نسبة ذلك القابل إليهما على السوية ، ومتى كان الامر كذلك امتنع كون ذلك القابل سببا لرجحان أحد الطرفين ، ألا ترى أن الجسم لما كان قابلا للحركة والسكون على السوية ، امتنع أن تصير ذات الجسم سببا لرجحان أحد الطرفين على الآخر ، فإن قالوا لا نقول إن ذات النفس والعقل يوجب هذا الرجحان ، بل نقول إنه يريد تحصيل أحد الطرفين ، فتصير تلك الإرادة سببا لذلك الرجحان ، فنقول هذا باطل ، لان ذات النفس كون جوهر النفس سببا لتلك الإرادة ، فثبت أن حصول الهداية لابد لها من فاعل ومن قابل ( أما الفاعل ) فيمتنع أن يكون هو النفس ، بل الفاعل هو الله تعالى ( وأما القابل ) فهو جوهر النفس ، فلهذا السبب قال ( أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ) ثم قال ( أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنفذ من في النار ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : في لفظ الآية سؤال وهو أنه يقال إنه قال : * ( أفمن حق عليه كلمة العذاب ) * ولا يصح في الكلام العربي أن يدخل حرف الاستفهام على الاسم وعلى الخبر معاً ، فلا يقال أزيد أتقتله ، بل ههنا شيء آخر ، وهو أنه كما دخل حرف الاستفهام على الشرط وعلى الجزاء ، فكذلك دخل حرف الفاء عليهما معاً وهو قوله : * ( أفمن حق ) * ، * ( أفأنت تنقذ ) * ولأجل هذا السؤال اختلف النحويون وذكروا فيه وجوهاً الأول : قال الكسائي : الآية جملتنا والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب ، أفأنت تحميه ، أفأنت تنقذ من في النار الثاني : قال صاحب " الكشاف " : أصل الكلام أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، وهي جملة شرطية دخل عليها همزة الإنكار والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب والتقدير أأنت مالك أمرهم ، فمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع من في النار موضع الضمير ، والآية على هذا جملة واحدة الثالث : لا يبعد أن يقال إن حرف الاستفهام إنما ورد ههنا لإفادة معنى الإنكار ، ولما كان استنكاره هذا