فخر الدين الرازي

253

تفسير الرازي

بأحوال الدنيا ، فإنها خسيسة ومنقطعة ، وإنما يليق بأحوال الآخرة ، فإنها شريفة وآمنة من الانقضاء والانقراض والثاني : أن ثواب المحسن بالتوحيد والأعمال الصالحة إنما يحصل في الآخرة قال تعالى : * ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) * وأيضاً فنعمة الدنيا من الصحة والأمن والكفاية حاصلة للكفار ، وأيضاً فحصولها للكافر أكثر وأتم من حصولها للمؤمن ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " وقال تعالى : * ( لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ) * ( الزخرف : 33 ) ، الثالث : أن قوله : * ( للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ) * يفيد الحصر ، بمعنى أنه يفيد أن حسنة هذه الدنيا لا تحصل إلا للذين أحسنوا ، وهذا باطل . أما لو حملنا هذه الحسنة على حسنة الآخرة صح هذا الحصر ، فكأن حمله على حسنة الآخرة أولى ، ثم قال الله تعالى : * ( وأرض الله واسعة ) * وفيه قولان الأول : المراد أنه لا عذر البتة للمقصرين في الإحسان ، حتى إنهم إن اعتلوا بأوطانهم وبلادهم ، وأنهم لا يتمكنون فيها من التوفرة على الإحسان وصرف الهمم إليه ، قل لهم فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة ، فتحولوا من هذه البلاد إلى بلاد تقدرون فيها على الاشتغال بالطاعات والعبادات ، واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ، ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم ، وطاعة إلى طاعتهم ، والمقصود منه الترغيب في الهجرة من مكة إلى المدينة والصبر على مفارقة الوطن ، ونظيره قوله تعالى : * ( قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) * ( النساء : 97 ) والقول الثاني : قال أبو مسلم : لا يمتنع أن يكون المراد من الأرض أرض الجنة ، وذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى وهي خشية الله ، ثم بين أن من اتقى فله في الآخرة الحسنة ، وهي الخلود في الجنة ، ثم بين أن أرض الله ، أي جنته واسعة ، لقوله تعالى : * ( نتبوأ من الجنة حيث نشاء ) * ( الزمر : 74 ) وقوله تعالى : * ( وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ) * ( آل عمران : 133 ) والقول الأول عندي أولى ، لأن قوله : * ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) * لا يليق إلا بالأول ، وفي هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : أما تحقيق الكلام في ماهية الصبر ، فقد ذكرناه في سورة البقرة ، والمراد ههنا بالصابرين الذين صبروا على مفارقة أوطانهم وعشائرهم ، وعلى تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله تعالى . المسألة الثانية : تسمية المنافع التي وعد الله بها على الصبر بالأجر توهم أن العمل على الثواب ، لأن الأجر هو المستحق ، إلا أنه قامت الدلائل القاهرة على أن العمل ليس عليه الثواب ، فوجب حمل لفظ الأجر على كونه أجراً بحسب الوعد ، لا بحسب الاستحقاق . المسألة الثالثة : أنه تعالى وصف ذلك الأجر بأنه بغير حساب ، وفيه وجوه الأول : قال الجبائي : المعنى أنهم يعطون ما يستحقون ويزدادون تفضلاً فهو بغير حساب ، ولو لم يعطوا إلا المستحق لكان ذلك حساباً ، قال القاضي هذا ليس بصحيح ، لأن الله تعالى وصف الأجر