فخر الدين الرازي

230

تفسير الرازي

الحجة الخامسة : إن كان لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ولا يتحرك كان كالميت ، وإن كان يفعل هذه الأشياء ، كان إنساناً كثير التهمة محتاجاً إلى الأكل والشرب والوقاع وذلك باطل . الحجة السادسة : أنهم يقولون إنه ينزل كل ليلة من العرش إلى السماء الدنيا ، فنقول لهم حين نزوله : هل يبقى مدبراً للعرش ويبقى مدبراً للسماء الدنيا حين كان على العرش ، وحينئذ لا يبقى في النزول فائدة ، وإن لم يبق مدبراً للعرش فعند نزوله يصير معزولاً عن إلهية العرش والسماوات . الحجة السابعة : أنهم يقولون إنه تعالى أعظم من العرش ، وإن العرش لا نسبة لعظمته إلى عظمة الكرسي ، وعلى هذا الترتيب حتى ينتهي إلى السماء الدنيا ، فإذا كان كذلك كانت السماء الدنيا بالنسبة إلى عظمة الله كالذرة بالنسبة إلى البحر ، فإذا نزل فإما أن يقال إن الإله يصير صغيراً بحيث تسعه السماء الدنيا ، وإما أن يقال إن السماء الدنيا تصير أعظم من العرش ، وكل ذلك باطل . الحجة الثامنة : ثبت أن العالم كرة ، فإن كان فوق بالنسبة إلى قوم كانت تحت بالنسبة إلى قوم آخرين وذلك باطل ، وإن كان فوق بالنسبة إلى الكل ، فحينئذ يكون جسماً محيطاً بهذا العالم من كل الجوانب ، فيكون إله العالم على هذا القول فلكاً من الأفلاك . الحجة التاسعة : لما كانت الأرض كرة ، وكانت السماوات كرات ، فكل ساعة تفرض الساعات فإنها تكون ثلث الليل في حق أقوام معينين من سكان كرة العوارض ، فلو نزل من العرش في ثلث الليل وجب أن يبقى أبداً نازلاً عن العرش ، وأن لا يرجع إلى العرش البتة . الحجة العاشرة : أنا إنما زيفنا إلهية الشمس والقمر لثلاثة أنواع من العيوب أولها : كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض وثانيها : كونه محدوداً متناهياً وثالثها : كونه موصوفاً بالحركة والسكون والطلوع والغروب ، فإذا كان إله المشبهة مؤلفاً من الأعضاء والأجزاء كان مركباً ، فإذا كان العرش كان محدوداً متناهياً ، وإن كان ينزل من العرش ويرجع إليه كان موصوفاً بالحركة والسكون ، فهذه الصفات الثلاثة إن كانت منافية للإلهية وجب تنزيه الإله عنها بأسرها ، وذلك يبطل قول المشبهة ، وإن لم تكن منافية للأهلية فحينئذ لا يقدر أحد على الطعن في إلهية الشمس والقمر . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : * ( قل هو الله أحد ) * ( الإخلاص : 1 ) ولفظ الأحد مبالغة في الوحدة ، وذلك ينافي كونه مركباً من الأجزاء والأبعاض . الحجة الثانية عشرة : قوله تعالى : * ( والله الغني وأنتم الفقراء ) * ( محمد : 38 ) ولو كان مركباً من الأجزاء والأبعاض لكان محتاجاً إليها وذلك يمنع من كونه غنياً على الإطلاق ، فثبت بهذه الوجوه أن القول بإثبات الأعضاء والأجزاء لله محال ، ولما ثبت بالدلائل اليقينية وجوب تنزيه الله تعالى ، عن هذه الأعضاء ، فنقول ذكر العلماء في لفظ اليد وجوهاً الأول : أن اليد عبارة عن القدرة تقول العرب ما لي بهذا الأمر من يد ، أي من قوة وطاقة ، قال تعالى : * ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) * ( البقرة : 237 ) ،