فخر الدين الرازي

216

تفسير الرازي

وهذا يدل على أن تشريف نعم العبد ، إنما حصل لكونه أوابا ، وسمعت بعضهم قال لما نزل قوله تعالى ( نعم العبد ) في حق سليمان عليه السلام تارة ، وفي حق أيوب عليه السلام أخرى عظم الغم في قلوب أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا إن قوله تعالى : * ( نعم العبد ) * في حق سليمان تشريف عظيم ، فإن احتجنا إلى اتفاق مملكة مثل مملكة سليمان حتى بحد هذا التشريف لم نقدر عليه ، وإن احتجنا إلى تحمل بلاء مثل أيوب لم نقدر عليه ، فكيف السبيل إلى تحصيله . فأنزل الله تعالى قوله : * ( نعم المولى ونعم النصير ) * ( الأنفال : 40 ) والمراد أنك إن لم تكن * ( نعم العبد ) * فأنا * ( نعم المولى ) * وإن كان منك الفضول ، فمني الفضل ، وإن كان منك التقصير ، فمني الرحمة والتيسير . * ( وَاذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الاَْيْدِى وَالاَْبْصَارِ * إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الاَْخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الاَْخْيَارِ ) * في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير : * ( عبدنا ) * على الواحد وهي قراءة ابن عباس ، ويقول إن قوله : * ( عبدنا ) * تشريف عظيم ، فوجب أن يكون هذا التشريف مخصوصاً بأعظم الناس المذكورين في هذه الآية وهو إبراهيم وقرأ الباقون : * ( عبادنا ) * قالوا : لأن غير إبراهيم من الأنبياء قد أجري عليه هذا الوصف فجاء في عيسى : * ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) * ( الزخرف : 59 ) وفي أيوب : * ( نعم العبد ) * ( ص : 44 ) وفي نوح : * ( إنه كان عبداً شكوراً ) * ( الإسراء : 3 ) فمن قرأ ( عبدنا ) جعل إبراهيم وحده عطف بيان له ، ثم عطف ذريته على عبدنا وهي إسحق ويعقوب ، ومن قرأ ( عبادنا ) جعل إبراهيم وإسحق ويعقوب عذف بيان لعبادنا . المسألة الثانية : تقدير آية كأنه تعالى قال : فاصبر على ما يقولون واذكر عبادنا داود إلى أن قال : واذكر عبادنا إبراهيم أي واذكر يا محمد صبر إبراهيم حين ألقي في النار ، وصبر إسحق للذبح ، وصب يعقوب حين فقد ولده وذهب بصره . ثم قال : * ( أولي الأيدي والأبصار ) * ، واعلم أن اليد آلة لأكثر الأعمال والبصر آلة لأقوى الإدراكات ، فحسن التعبير عن العمل باليد وعن الإدراك بالبصر . إذا عرفت هذا فنقول النفس الناطقة الإنسانية لها قوتان عاملة وعالمة ، أما القوة العاملة فأشرف ما يصدر عنها طاعة الله ، وأما القوة العالمة فأشرف ما يصدر عنها معرفة