فخر الدين الرازي

213

تفسير الرازي

* ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) * فأجاب الله دعاءه ، وأوحى إليه * ( أن اركض برجلك ) * فأظهر الله من تحت رجله عيناً باردة طيبة فاغتسل منها ، فأذهب الله عنه كل داء في ظاهره وباطنه ، ورد عليه أهله وماله . والقول الثاني : أن الشيطان لا قدرة له البتة على إيقاع الناس في الأمراض والآلام ، والدليل عليه وجوه الأول : أنا لو جوزنا حصول الموت والحياة والصحة والمرض من الشيطان ، فلعل الواحد منا إنما وجد الحياة بفعل الشيطان ، ولعل كل ما حصل عندنا من الخيرات والسعادات ، فقد حصل بفعل الشيطان ، وحينئذٍ لا يكون لنا سبيل إلى أن نعرف أن معطي الحياة والموت والصحة والسقم ، هو الله تعالى الثاني : أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يسعى في قتل الأنبياء والأولياء ، ولم لا يخرب دورهم ، ولم لا يقتل أولادكم الثالث : أنه تعالى حكى عن الشيطان أنه قال : * ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) * ( إبراهيم : 22 ) فصرح بأنه لا قدرة له في حق البشر إلا على إلقاء الوساوس والخواطر الفاسدة ، وذلك يدل على قول من يقول إن الشيطان هو الذي ألقاه في تلك الأمراض والآفات ، فإن قال قائل : لم لا يجوز أن يقال إن الفاعل لهذه الأحوال هو الله تعالى لكن على وفق التماس الشيطان ؟ قلنا فإذا كان لا بد من الاعتراف بأن خالق تلك الآلام والأسقام هو الله تعالى ، فأي فائدة في جعل الشيطان واسطة في ذلك ؟ بل الحق أن المراد من قوله : * ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) * أنه بسبب إلقاء الوساوس الفاسدة والخواطر الباطنة كان يلقيه في أنواع العذاب والعناء ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أن تلك الوساوس كيف كانت وذكروا فيه وجوهاً الأول : أن علته كانت شديدة الألم ، ثم طالت مدة تلك العلة واستقذره الناس ونفروا عن مجاورته ، ولم يبق له شيء من الأموال البتة . وامرأته كانت تخدم الناس وتحصل له قدر القوت ، ثم بلغت نفرة الناس عنه إلى أن منعوا امرأته من الدخول عليهم ومن الاشتغال بخدمتهم ، والشيطان كان يذكره النعم التي كانت والآفات التي حصلت ، وكان يحتال في دفع تلك الوساوس ، فلما قويت تلك الوساوس في قلبه خاف وتضرع إلى الله ، وقال : * ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) * لأنه كلما كانت تلك الخواطر أكثر كان ألم قلبه منها أشد . الثاني : أنها لما طالت مدة المرض جاءه الشيطان وكان يقنطه من ربه ويزين له أن يجزع فخاف من تأكد خاطر القنوط في قلبه فتضرع إلى الله تعالى وقال : * ( إني مسني الشيطان ) * ، الثالث : قيل إن الشيطان لما قال لامرأته لو أطاعني زوجك أزلت عنه هذه الآفات فذكرت المرأة له ذلك ، فغلب على ظنه أن الشيطان طمع في دينه فشق ذلك عليه فتضرع إلى الله تعالى وقال : * ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) * ، الرابع : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه بقي أيوب في البلاء ثمان عشرة سنة حتى رفضه القريب والبعيد إلا رجلين ، ثم قال أحدهما لصاحبه لقد أذنب أيوب ذنباً ما أتى به أحد من العالمين ، ولولاه ما وقع في مثل هذا البلاء ، فذكروا ذلك