فخر الدين الرازي

22

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( إن الذين يتلون كتاب الله ) * . لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه . وقوله : * ( يتلون كتاب الله ) * إشارة إلى الذكر . وقوله تعالى : * ( وأقاموا الصلاة ) * إشارة إلى العمل البدني . وقوله : * ( وأنفقوا مما رزقناهم ) * إشارة إلى العمل المالي ، وفي الآيتين حكمة بالغة ، فقوله : إنما يغشى الله إشارة إلى عمل القلب ، وقوله : * ( إن الذين يتلون ) * إشارة إلى عمل اللسان . وقوله : * ( وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم ) * إشارة إلى عمل الجوارح ، ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقة بجانب تعظيم الله والشفقة على خلقه ، لأنا بينا أن من يعظم ملكاً إذا رأى عبداً من عباده في حاجة يلزمه قضاء حاجته وإن تهاون فيه يخل بالتعظيم ، وإلى هذا أشار بقوله : عبدي مرضت فما عدتني ، فيقول العبد : كيف تمرض وأنت رب العالمين ، فيقول الله مرض عبدي فلان وما زرته ولو زرته لوجدتني عنده ، يعني التعظيم متعلق بالشفقة فحيث لا شفقة على خلق الله لا تعظيم لجانب الله . وقوله تعالى : * ( سراً وعلانية ) * حث على الإنفاق كيفما يتهيأ ، فإن تهيأ سراً فذاك ونعم وإلا فعلانية ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء ، فإن ترك الخير مخافة أن يقال فيه إنه مراء عين الرياء ويمكن أن يكون المراد بقوله : * ( سراً ) * أي صدقة * ( وعلانية ) * أي زكاة ، فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب . وقوله تعالى : * ( يرجون تجارة لن تبور ) * إشارة إلى الإخلاص ، أي ينفقون لا ليقال إنه كريم ولا لشيء من الأشياء غير وجه الله ، فإن غير الله بائر والتاجر فيه تجارته بائرة . قوله تعالى * ( لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) * . وقوله تعالى : * ( ليوفيهم أجورهم ) * أي ما يتوقعونه ولو كان أمراً بالغ الغاية * ( ويزيدهم فضله ) * أي يعطيهم ما لم يخطر ببالهم عند العمل ، ويحتمل أن يكون يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة * ( إنه غفور ) * عند إعطاء الأجور * ( شكور ) * عند إعطاء الزيادة . * ( وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ) * . ثم قال تعالى : * ( والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق ) * . لما بين الأصول الأول وهو وجود الله الواحد بأنواع الدلائل من قوله : * ( والله الذي أرسل ) *