فخر الدين الرازي

209

تفسير الرازي

سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا كلهم في سبيل الله فرساناً أجمعون ، فذلك قوله : * ( ولقد فتنا سليمان ) * الثالث : قوله : * ( ولقد فتنا سليمان ) * بسبب مرض شديد ألقاه الله عليه ، * ( وألقينا على كرسيه ) * منه * ( جسداً ) * وذلك لشدة المرض . والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضع وجسم بلا روح * ( ثم أناب ) * أي رجع إلى حال الصحة ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع : أقول لا يبعد أيضاً أن يقال إنه ابتلاه الله تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه ، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي ، ثم إنه أزال الله عنه ذلك الخوف ، وأعاد إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب . أما قوله تعالى : * ( قال رب اغفر لي ) * فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية ، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك البتة عن ترك الأفضل والأولى ، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ولأنهم أبداً في مقام هضم النفس ، وإظهار الذلة والخضوع ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى والله أعلم . ثم قال تعالى : * ( وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) * دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم بعده طلب المملكة . وأيضاً الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم توسل به إلى طلب المملكة ، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضاً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : * ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين ) * ( نوح : 10 - 12 ) وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ) * فإن قيل قوله عليه السلام : * ( ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) * مشعر بالحسد ، والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي ، هو أن يعطيه الله ملكاً لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه البتة ، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه الأول : أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري البتة ، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي . والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال : * ( عقيبه فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ) * فكون الريح جارياً بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب ، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله : * ( هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ) * هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله : * ( لا ينبغي لأحد من بعدي ) * يعني لا يقدر