فخر الدين الرازي
201
تفسير الرازي
المسألة الأولى : احتج الجبائي بهذه الآية على أنه تعالى لا يجوز أن يكون خالقاً لأعمال العباد قال لأنها مشتملة على الكفر والفسق وكلها أباطيل . فلما بين تعالى أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً دل هذا على أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد . ومثله قوله تعالى : * ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) * ( الحجر : 85 ) وعند المجبرة أنه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل ، وقد خلق الباطل ، ثم أكد تعالى ذلك بأن قال : * ( ذلك ظن الذين كفروا ) * أي كل من قال بهذا القول فهو كافر ، فهذا تصريح بأن مذهب المجبرة عين الكفر ، واحتج أصحابنا رحمهم الله بأن هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقاً لأعمال العباد فقالوا هذه الآية تدل على كونه تعالى خالقاً لكل ما بين السماوات والأرض ، وأعمال العباد حاصلة بين السماء والأرض ، فوجب أن يكون الله تعالى خالقاً لها . المسألة الثانية : هذه الآية دالة على صحة القول بالحشر والنشر والقيامة ، وذلك لأنه تعالى خلق الخلق في هذا العالم ، فإما أن يقال إنه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع أو للإضرار والأول باطل لأن ذلك لا يليق بالرحيم الكريم ، والثالث أيضاً باطل لأن هذه الحالة حاصلة ين كانوا معدومين ، فلم يبق إلا أن يقال إنه خلقهم للإنفاع ، فنقول وذلك الإنفاع ، إما أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة ، والأول باطل لأن منافع الدنيا قليلة ومضارها كثيرة ، وتحمل المضار الكثيرة للمنفعة القليلة لا يليق بالحكمة ، ولما بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيوية ، وذلك هو القول بالحشر والنشر والقيامة ، واعلم أن هذا الدليل يمكن تقريره من وجوه كثيرة ، وقد لخصناها في أول سورة يونس بالاستقصاء ، فلا سبيل إلى التكرير فثبت بما ذكرا أنه تعالى ما خلق السماء والأرض وما بينهما باطلاً وإذا لم يكن خلقهما باطلاً كان القول بالحشر والنشر لازماً ، وأن كل من أنكر القول بالحشر والنشر كان شاكاً في حكمة الله في خلق السماء والأرض ، وهذا هو المراد من قوله : * ( ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ) * ولما بين الله تعالى على سبيل الإجمال أن إنكار الحشر والنشر يوجب الشك في حكمة الله تعالى بين ذلك على سبيل التفصيل ، فقال : * ( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار ) * وتقريره أنا نرى في الدنيا من أطاع الله واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء ، ونرى الكفرة والفساق في الراحة والغبطة ، فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي ، وذلك لا يليق بحكمة الحكيم الرحيم ، وإذا كان ذلك قادحاً في الحكمة ، ثبت أن إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار حكمة الله . ثم قال تعالى : * ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة دلت الآية على أنه تعالى إنما أنزل هذا القرآن لأجل الخير والرحمة والهداية ، وهذا يفيد أمرين أحدهما : أن أفعال الله معللة برعاية المصالح والثاني : أنه تعالى أراد الإيمان والخير والطاعة من الكل بخلاف قول من يقول إنه أراد الكفر من الكافر .