فخر الدين الرازي

192

تفسير الرازي

في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله " وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً فكان يدخل تحت قوله : * ( ألا لعنة الله على الظالمين ) * التاسع : عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : " من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين " وهو حد الفرية على الأنبياء ، ومما يقوي هذا أنهم لما قالوا إن المغيرة بن شعبة زني وشهد ثلاثة من عدول الصحابة بذلك ، وأما الرابع فإنه لم يقل بأني رأيت ذلك العمل . يعني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا ، وإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك ، فكيف الحال مع داود عليه السلام مع أنه من أكابر الأنبياء عليهم السلام العاشر : روي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله تعالى فقال لا ينبغي أن يزاد عليها ، وإن كانت الواقعة على ما ذكرت ، ثم إنه تعالى لم يذكرها لأجل أن يستر تلك الواقعة على داود عليه السلام ، فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ذلك الستر بعد ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر : " سماعي هذا الكلام أحب إلي مما طلعت عليه الشمس " فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها فاسدة باطلة ، فإن قال قائل : إن كثيراً من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة ، فكيف الحال فيها ؟ فالجواب الحقيقي أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى ، وأيضاً فالأصل بين الذمة ، وأيضاً فلما تعارض دليل التحريم والتحليل كان جانب التحريم أولى ، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيح قولنا ، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير وقوع هذه الواقعة لا يقول الله لنا يوم القيامة لم لم تسعوا في تشهير هذه الواقعة ؟ وأما بتقدير كونها باطلة فإن علينا في ذكرها أعظم العقاب ، وأيضاً فقال عليه السلام : التي ذكرناها قائمة فوجب أن لا تجوز الشهادة بها ، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول بل الأكثرون المحقون والمحققون منهم يردونه ويحكمون عليه بالكذب والفساد ، وأيضاً إذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدثين فيه تساقطت وبقي الرجوع إلى الدلائل التي ذكرناها فهذا تمام الكلام في هذه القصة . أما الاحتمال الثاني : وهو أن تحمل هذه القصة على وجه يوجب حصول الصغيرة ولا يوجب حصول الكبير ، فنقول في كيفية هذه القصة على هذا التقدير وجوه الأول : أن هذه المرأة خطبها أوريا فأجابوه ثم خطبها داود فأثره أهلها ، فكان ذنبه أن خطب على خطبة أخيه المؤمن مع كثرة نسائه الثاني : قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب البتة ، أما وقع بصره عليها من غير قصد فذلك لي بذنب ، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً لأن هذا الميل ليس في وسعه ، فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أن قتل زوجها لم يتأذ تأذياً عظيماً بسبب