فخر الدين الرازي

190

تفسير الرازي

في عبوديته لله تعالى بل كان كاملاً في طاعة الهوى والشهوة . الصفة الثالثة : هو قوله : * ( ذا الأيد ) * ( ص : 17 ) أي ذا القوة ، ولا شك أن المراد منه القوة في الدين ، لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار ، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة على أداء الواجبات ، والاجتناب عن المحظورات ، وأي قوة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم ؟ الصفة الرابعة : كونه أواباً كثير الرجوع إلى الله تعالى ، وكيف يليق هذا بمن يكون قلبه مشغوفاً بالقتل والفجور ؟ . الصفة الخامسة : قوله تعالى : * ( إنا سخرنا الجبال معه ) * ( ص : 18 ) أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذه وسيلة إلى القتل والفجور ؟ . الصفة السادسة : قوله : * ( والطيور محشورة ) * ( ص : 19 ) ، وقيل إنه كان محرماً عليه صيد شيء من الطير وكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على روحه ومنكوحه ؟ . الصفة السابعة : قوله : * ( وشددنا ملكه ) * ومحال أن يكون المراد أنه تعالى شدد ملكه بأسباب الدنيا ، بل المراد أنه تعالى شد ملكه بما يقوي الدين وأسباب سعادة الآخرة ، والمراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لا يملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك ؟ . الصفة الثامنة : قوله تعالى : * ( وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) * ( ص : 20 ) والحكمة اسم جامع لكل ما ينبغي علماً وعملاً ، فكيف يجوز أن يقول الله تعالى : إنا * ( آتيناه الحكمة وفصل الخطاب ) * مع إصراره على ما يستنكف عنه الخبيث الشيطان من مزاحمة أخلص أصحابه في الروح والمنكوح ، فهذه الصفات المذكورة قبل شرح تلك القصة دالة على براءة ساحته عن تلك الأكاذيب . وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فهي عشرة الأول : قوله : * ( وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) * وذكر هذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة على قوته في طاعة الله ، أما لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله : * ( وإن له عندنا لزلفى ) * لائقاً به الثاني : قوله تعالى : * ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ) * وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه أحدهما : أن الملك الكبير إذا حكى عن بعض عبيده " أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقيبه أيها العبد أني فوضت إليك خلافتي ونيابتي ، وذلك لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر ، فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك البتة مما لا يليق وثانيها : أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف ، فلما حكى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة ، ثم قال بعده : * ( إنا جعلناك خليفة في الأرض ) * أشعر هذا بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة ؛ ومعلوم أن هذا فاسد ، أم لو