فخر الدين الرازي

182

تفسير الرازي

مع قوة أمره أبلغ والثاني : أنه كان ينصب الخشب في الهواء وكان يمد يدي المعذب ورجليه إلى تلك الخشب الأربع ، ويضرب على كل واحد من هذه الأعضاء وتداً ، ويتركه معلقاً في الهواء إلى أن يموت والثالث : أنه كان يمد المعذب بين أربعة أوتاد في الأرض ويرسل عليه العقارب والحيات والرابع : قال قتادة كانت أوتاداً وأرساناً وملاعب يلعب بها عنده والخامس : أن عساكره كانوا كثيرين ، وكانوا كثيري الأهبة عظيمي النعم ، وكانوا يكثرون من الأوتاد لأنهم يقرون أمره ويشدون مملكته كما يقوي الوتد البناء . وأما الأيكة فهي الغيضة المتلفة . ثم قال تعالى : * ( أولئك الأحزاب ) * وفيه أقوال الأول : أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم ، فذلك نفعل بقومك ، لأنه تعالى بيَّن بقوله : ( جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ) ( ص : 11 ) أن قوم محمد صلى الله عليه وسلم جند من الأحزاب ، أي من جنس الأحزاب المتقدمين ، فلما ذكر أنه عامل الأحزاب المتقدمين بالإهلاك كان ذلك تخويفاً شديداً لقوم محمد صلى الله عليه وسلم الثاني : أن معنى قوله : * ( أولئك الأحزاب ) * مبالغة لوصفهم بالقوة والكثرة ، كما يقال فلان هو الرجل ، والمعنى أن حال أولئك الأحزاب مع كمال قوتهم لما كان هو الهلاك والبوار ، فكيف حال هؤلاء الضعفاء المساكين . واعلم أن هؤلاء الأقوام إن صدقوا بهذه الأخبار فهو تحذير ، وإن لم يصدقوا بها فهو تحذير أيضاً ، لأن آثار هذه الوقائع باقية وهو يفيد الظن القوي فيحذرون ، ولأن ذكر ذلك على سبيل التكرير يوجب الحذر أيضاً ثم قال : * ( إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ) * أي كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب ، لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين ، والمقصود منه زجر السامعين ، ثم بين تعالى أن هؤلاء المكذبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم فقال : * ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ) * وفي تفسير هذه الصيحة قولان الأول : أن يكون المراد عذاباً يفجؤهم ويجيئهم دفعة واحدة ، كما يقال صاح الزمان بهم إذا هلكوا قال الشاعر : صاح الزمان بآل برمك صيحة خروا لشدتها على الأذقان ويشبه أن يكون أصل ذلك من الغارة إذا عافصت القوم فوقعت الصحية فيهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذي خلوا من قبلهم ) * ( يونس : 102 ) الآية والقول الثاني : أن هذه الصيحة هي صيحة النفخة الأولى في الصور ، كما قال تعالى في سورة يس : * ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ) * ( يس : 49 ) والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا فهو معد لهم يوم القيامة ، فكأنهم بذلك العذاب وقد جاءهم فجعلهم منتظرين لها على معنى قربها منهم ، كالرجل الذي ينتظر الشيء فهو ماد الطرف إليه يطمع كل ساعة في حضوره ، ثم إنه سبحانه وصف هذه الصيحة فقال : * ( ما لها من فواق ) * قرأ حمزة والكسائي * ( فواق ) * بضم الفاء ، والباقون بفتحها ، قال الكسائي والفراء