فخر الدين الرازي
178
تفسير الرازي
في الذات فهو أنهم يقولون لما كان كل موجود في الشاهد يجب أن يكون جسماً ومختصاً بحيز وجب في الغائب أن يكون كذلك ، أما المشبهة في الأفعال فهم المعتزلة الذين يقولون أن الأمر الفلاني قبيح منا ، فوجب أن يكون قبيحاً من الله ، فثبت بما ذكرنا أنه إن صح كلام هؤلاء المشبهة في الذات وفي الأفعال لزم القطع بصحة شبهة هؤلاء المشركين ، وحيث توافقنا على فسادها على فسادها علمنا أن عمدة المجسمة وكلام المعتزلة باطل فاسد . وأما الشبهة الثانية فلعمري لو كان التقيد حقاً لكانت هذه الشهبة لازمة وحيث كانت فاسدة علمنا أن التقليد باطل بقي ههنا أبحاث : البحث الأولى : أن العجاب هو العجيب إلا أنه أبلغ من العجيب كقولهم طويل وطوال وعريض وعراض وكبير وكبار وقد يشدد للمبالغة كقوله تعالى : * ( ومكروا مكراً كباراً ) * ( نوح : 22 ) . الثاني : قال صاحب " الكشاف " قرىء عجاب بالتخفيف والتشديد فقال والتشديد أبلغ من التخفيف كقوله تعالى : * ( مكراً كباراً ) * . ثم قال تعالى : * ( وانطلق الملأ منهم أن أمشوا وأصبروا على آلهتكم ) * قد ذكرنا أن لملأ عبارة عن القوم الذين إذا حضروا في المجلس فإنه تمتلئ القلوب والعيون من مهابتهم وعظمتهم ، قوله : * ( منهم ) * أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بن ، بعد ما بكتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجواب العتيد قائلين بعضهم البعض * ( أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) * وفيه مباحث : البحث الأول : القراءة المشهورة ( أن امشوا ) وقرأ ابن أبي عبلة امشوا بحذف أن ، قال صاحب : " الكشاف " ( أن ) بمعنى أي لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما يجري في المجلس المتقدم ، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول ، وعن ابن عباس : وأنطبق الملأ منهم يمشون . البحث الثاني : معنى أن امشوا أنه قال بعضهم امشوا واصبروا ، فلا حيلة لكم في دفع أمر محمد ، إن هذا لشيء يراد ، وفيه ثلاثة أوجه أحدهما : ظهور دين محمد صلى الله عليه وسلم ليس له سبب ظاهر يثبت أن تزايد ظهوره ، ليس إلا لأن الله يريده ، وما أراد الله كونه فلا دافع له وثانيها : أن الأمر كشئ من نوائب الدهر فلا انفكاك لنا منه وثالثها : أن دينكم لشيء يراد أي يطلب ليؤخذ منكم ، قال القفال هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف وكأن معناها أنه ليس غرض محمد من هذا القول تقرير الدين ، وإنما عرضه أن يستولي علينا فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد . ثم قال : * ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة ) * والملة الآخرة هي ملة النصارى فقالوا إن هذا التوحيد الذي أتي به محمد صلى الله عليه وسلم ما سمعناه في دين النصارى ، أو يكون المراد بالمراد بالملة الآخرة ملة قريش التي أدركوا آباءهم عليهم ، ثم قالوا : * ( إن هذا إلا اختلاق ) * افتعال وكذب ، وحاصل الكلام من هذا الوجه أنهم قالوا نحن ما سمعنا عن أسلافنا القول بالتوحيد ، فوجب أن يكون باطلاً ، ولو كان القول بالتقليد حقاً لكان كلام هؤلاء المشركين حقاً ، وحيث كان باطلاً علمنا أن القول بالتقليد باطل .